لغة الذكاء الاصطناعي دفاعاً عن الفوضى الجميلة!
لا أعاني من فوبيا الذكاء الاصطناعي ، بل على العكس، أراه امتداداً طبيعياً لسلسلة طويلة من الأدوات التي ابتكرها الإنسان ليخفف عن نفسه عبء الطريق دون أن يتخلى عن متعة الوصول، ولعل هذه المصالحة الهادئة بيني وبين هذه التقنية الجديدة تعود إلى ذاكرة قديمة، حين ظهر محرك البحث “قوقل” بوصفه وحشاً معرفياً يهدد بابتلاع جزء من إنسانيتنا ، يومها سمعنا التحذيرات ذاتها تقريباً: سنكف عن الحفظ، ستضعف ذاكرتنا، سنصبح أسرى لمحرك يعرف أكثر منا.. ومع ذلك مضت الحياة، وتكيف الإنسان، ولم تختفِ روحه من العالم! لكن رغم هذا التسامح، أعترف - وأنا بكامل أبجديتي البشرية - أن أسئلة معينة تداهمني بين حين وآخر ، أسئلة لا تحمل عدائية تجاه التقنية بقدر ما تحمل قلقاً تجاه الإنسان نفسه، مثلاً: هل سنذوب تدريجياً في لغة الآلة؟ لا أقصد أن الآلة ستتحدث نيابة عنا، بل أخشى العكس تماماً؛ أن نتحدث نحن بطريقتها! في السنوات الأخيرة بدأت ألاحظ شيئاً مثيراً للتأمل، فهناك نبرة معينة تتسلل إلى النصوص ، جمل متوازنة أكثر من اللازم، أفكار مرتبة بصرامة هندسية، انتقالات ناعمة تكاد تخلو من التعثر الجميل الذي يميز الكتابة البشرية، وكأن اللغة أصبحت ترتدي بدلة رسمية طوال الوقت، ولم تعد تسمح لنفسها بالظهور أحياناً بثوبٍ نسيت أن تغلق أحد (أزراره) ، أو بفكرة طائشة خرجت عن المسار! لكن أليست تلك العشوائية جزءاً من سحرنا؟! أليست الجملة الاعتراضية التي تظهر فجأة وسط الفكرة الرئيسية، ثم تختفي دون اعتذار، أحد الأدلة الصغيرة على وجود إنسان حي خلف الكلمات؟ أليس التردد، والاستدراك، والانعطاف غير المتوقع، وحتى التناقض أحياناً، جزءاً من البصمة التي تجعل لكل كاتب صوته الخاص؟ ربما تكمن المفارقة هنا في أن الذكاء الاصطناعي لا يفرض علينا لغة جديدة، بل يقدم لنا باستمرار اللغة الأكثر احتمالاً، والجملة الأكثر منطقية ، والتعبير الأكثر شيوعاً ، والصياغة التي يتفق عليها أكبر عدد ممكن من الناس! وهذا أمر مفيد عندما نبحث عن الوضوح، لكنه يصبح سؤالاً فلسفياً عندما نبحث عن التفرد! فالإنسان لم يتقدم دائماً عبر الاحتمال الأكثر ترجيحاً، بل كثيراً ما تقدم عبر الفكرة الأقل توقعاً ، القصيدة العظيمة لم تولد من العبارة الأكثر استخداماً ، والرواية التي غيرت وعينا لم تكن بالضرورة الأكثر التزاماً بالقواعد ، وحتى الاكتشافات الفكرية الكبرى بدأت غالباً من سؤال بدا غريباً أو غير منطقي في لحظته الأولى. لهذا أتساءل أحياناً: ماذا سيحدث إذا اعتدنا جميعاً على الاستعانة بالمساعد الذكي قبل أن نستمع إلى ارتباكنا الداخلي؟ ماذا لو أصبح الطريق الأسرع إلى الفكرة هو الطريق الوحيد الذي نسلكه؟ هل سنربح الكفاءة ونخسر المفاجأة؟ ثم إن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعنى ، فاللغة نفسها طريقة لرؤية العالم ، لكل إنسان انحرافاته الصغيرة في التعبير، وتفضيلاته الخفية، وكلماته المحببة التي تتكرر دون أن يشعر ، هذه التفاصيل ليست أخطاء ينبغي تصحيحها دائماً، بل هي أجزاء من هويتنا. حين أقرأ لكاتب أحبه، لا أبحث فقط عن أفكاره، بل أبحث عن طريقته الخاصة في الانحراف عن الطريق. أما الآلة، مهما بلغت من براعة، فهي تميل بطبيعتها إلى المركز ، إلى المتوسط ، إلى المنطقة التي تلتقي فيها ملايين النصوص ، وربما يكمن التحدي الحقيقي في ألا نسمح لهذا المركز بأن يصبح موطننا الدائم! ومع ذلك، لا أعتقد أننا أمام معركة بين الإنسان والآلة ، هذه صورة درامية أكثر مما ينبغي.. فالتاريخ يعلمنا أن الأدوات الجديدة لا تمحو الإنسان بقدر ما تكشف جوانب جديدة منه. السؤال إذن ليس: هل سيكتب الذكاء الاصطناعي بدلاً منا؟ السؤال الأهم: هل سنستمر في الدفاع عن حقنا في أن نكون مختلفين عنه؟ هل سنحتفظ بجملنا الناقصة أحياناً، والمشاكسة أحياناً أخرى؟ هل سنبقي مساحة لذلك الخطأ الجميل الذي يولد منه اكتشاف غير متوقع؟ وهل سنقاوم إغراء الصياغة المثالية حين تكون على حساب النبرة الشخصية؟ -لا أعرف! لكنني أعرف أن أكثر ما يطمئنني في الإنسان أنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يقول شيئاً غير متوقع تماماً، ثم يقضي سنوات يحاول فهم ما قاله! وربما لهذا السبب لا يقلقني أن تصبح الآلات أكثر شبهاً بنا، ما يقلق حقاً هو أن نصبح نحن أكثر شبهاً بها!.