يشكّل إبراهيم مفتاح أحد أبرز الأصوات الأدبية التي ارتبطت بجزر فرسان وذاكرتها الثقافية، إذ استطاع عبر الشعر والكتابة أن يوثّق ملامح المكان والإنسان، وأن يقدّم تجربة أدبية امتدت لعقود، ظل خلالها وفياً للبحر والتاريخ والحكايات التي صنعت هوية الجنوب السعودي. ولد إبراهيم مفتاح في جزر فرسان التابعة لمنطقة جازان عام 1940، ونشأ في بيئة بحرية تركت أثرها العميق على تجربته الشعرية والإنسانية. كانت الجزيرة بالنسبة إليه أكثر من مكان، كانت معلماً روحياً ومخزوناً جمالياً لا ينضب. درس في الكتّاب ثم في مدرسة فرسان الابتدائية قبل أن يلتحق بمعهد المعلمين في جازان، وهي المرحلة التي بدأت خلالها ملامح الشاعر تتكوّن، حيث تفتّحت روحه على القراءة واللغة والإنصات للحياة من حوله. لا يمكن قراءة تجربة إبراهيم مفتاح بعيداً عن البحر. فالبحر في شعره ليس خلفية جمالية فحسب، بل بطل خفيّ يرافق النصوص ويشكّل إيقاعها الداخلي. لذلك جاءت قصائده مشبعة برائحة الملح، وبحزن الصيادين، وبصوت المراكب العائدة من سفر طويل. وقد انعكس هذا الارتباط في عناوين أعماله نفسها، مثل: «عتاب إلى البحر»، و»رائحة التراب»، و»احمرار الصمت»، وهي عناوين تكشف مبكراً عن شاعر ينحاز إلى الحساسية الشعرية العالية وإلى اللغة التي تمزج التأمل بالعاطفة. تميّز مفتاح بقدرته على الجمع بين الشكل التقليدي للقصيدة العربية وتجارب التفعيلة الحديثة، دون أن يفقد صوته الخاص. ففي بداياته بدا وفياً لعمود الشعر وإيقاعاته، لكنه مع الزمن اتجه إلى مساحات أكثر حداثة من حيث الصورة والرؤية والبناء الشعري. وهذا التحوّل لم يكن قطيعة مع التراث، بل كان محاولة لتجديده من الداخل، لذلك ظلّت قصيدته محافظة على دفء اللغة العربية وعلى نبرة وجدانية صادقة. ولأن الثقافة عند إبراهيم مفتاح لم تكن معزولة عن المجتمع، فقد انخرط في العمل الثقافي والتعليمي مبكراً. عمل معلماً ثم وكيلاً لمدرسة فرسان المتوسطة والثانوية، كما عمل في سكرتارية تحرير مجلة الفيصل الثقافية، وشارك في أنشطة أدبية وثقافية متعددة داخل المملكة وخارجها. وكان حضوره في المهرجانات والأمسيات الشعرية لافتاً، خصوصاً مشاركته في مهرجان الجنادرية وإلقاؤه القصيدة الرئيسة في إحدى دوراته، وهو ما رسّخ مكانته بين شعراء السعودية البارزين. كما مثّل المملكة في عدد من المحافل الثقافية العربية، من بينها الأسبوع الثقافي السعودي في الشارقة، ومؤتمر اتحاد الأدباء والكتاب العرب في الجزائر. وهذه المشاركات لم تكن مجرّد حضور رسميّ، بل كانت امتداداً لصوت شعري يحمل الجنوب السعودي إلى الفضاء العربي بثقة وهدوء. في كتاباته النثرية أيضاً، بدا إبراهيم مفتاح مؤرخاً عاشقاً للمكان. كتب عن فرسان باعتبارها ذاكرة إنسانية وحضارية، فصدرت له كتب مثل «فرسان: الناس، البحر، والتاريخ»، و «فرسان بين الجيولوجيا والتاريخ»، و «مقامات فرسانية». وفي هذه الأعمال يتجاوز التوثيق البارد إلى كتابة حميمة تنصت إلى الحكايات الشعبية وإلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع هوية الأمكنة. لقد كان يدرك أن الثقافة ليست شعراً فقط، بل هي أيضاً حفظ الذاكرة من النسيان. ومن اللافت في تجربة مفتاح أنه لم يتعامل مع الأدب باعتباره عزلة نخبوية، بل بوصفه جزءاً من الحياة اليومية للناس. لذلك ظل قريباً من جمهوره ومن بيئته الاجتماعية، واحتفظ بروحه البسيطة رغم حضوره الثقافي الكبير. وقد تحدّث في إحدى الجلسات الثقافية عن ثلاثة مرتكزات تصنع الهوية الأدبية: الموهبة، والقراءة، والمعاناة. وهي عبارة تبدو وكأنها تلخّص سيرته الشخصية أيضاً، فقد امتلك الموهبة، وانفتح على القراءة، وعاش معاناة المكان والإنسان، فخرجت قصيدته صادقة وقادرة على البقاء. نال إبراهيم مفتاح عدداً من الجوائز والتكريمات، أبرزها جائزة أبها الثقافية للشعر، كما احتفت به المؤسسات الثقافية السعودية بوصفه واحداً من رواد الحركة الأدبية في المملكة. لكن القيمة الحقيقية لتجربته لا تكمن في الجوائز وحدها، بل في قدرته على تحويل جزيرة صغيرة في البحر الأحمر إلى رمز شعري وإنساني واسع الدلالة. الحديث عن إبراهيم مفتاح هو حديث عن شاعر كتب المكان فصار المكان جزءاً من سيرته، وعن أديب ظل وفياً للبحر وللجنوب وللإنسان البسيط. وفي زمن تتشابه فيه الأصوات سريعاً، بقي صوته مختلفاً، هادئاً وعميقاً مثل بحر فرسان نفسه، بحرٌ يخفي في أعماقه اللؤلؤ، كما أخفت تجربة إبراهيم مفتاح في أعماقها كثيراً من الجمال والصدق والوفاء للكلمة. (*) كاتب وصحافي سعودي