يا علْ عيني ما تبكيك.

امتداد لما كتبته هنا وما سأكتبه لاحقا حيال ادعاءات (بعض) العربان بأن أهل الصحراء يتسمون بالجلافة وخشونة الطباع وغلظة مفردات التخاطب، أستحضر لكم ولهم اليوم مقولة دارجة على الألسن رغم انها قديمة قدم حضارة أهل الجزيرة العربية. كبار السن في يومنا هذا قد سمعوها مرارا من آبائهم، أمهاتهم ، عماتهم، خالاتهم، جدّاتهم يقولونها لهم بكل حنيّة. وهاهم اليوم يُعيدون قولها لمن يحبون. لم يك ذلك التهذيب في الخطاب حديث عهد بعرب الجزيرة، بل هو سلوك أصيل في طباعهم بجانب فروسيتهم وقوة بأسهم. يقول الشاعر العربي : ألاَ لا عِشتُ بعدكَ من نهارٍ ولا أبْكتْ عليك العينُ عيني وغيرها من المقولات التي توارثها الخلف عن السلف كمقولة يا عل عيني ما تبكيك وفي رواية أخرى يا (جعل عيني ما تبكيك) ولا أظنني بحاجة الى توضيح المعنى لإخوتنا العرب على اختلاف أعراقهم التي يعودون اليها لأني أُدرك بأن لديهم من الأقوال مثلما لدينا فالثقافة العربية متناغمة تتأثر بمحيطها الإقليمي وتعارف شعوبها. بديهي أن العين تبكي على فراق الأعزاء سواء بالرحيل الابدي او الابتعاد المؤقت. سؤالي هنا: هل شعوب الغرب يبكون على فراق الأهل أو الأصدقاء أو حتى الأماكن التي ألفوها كما يبكي (الأجلاف) أهل الصحراء؟ لنتمعّن في قول الصحراوي امرؤ القيس: ففاضت دموع العين مني صبابة على النحرِ حتى، بلّ دمعي مِحمَلي ماذا عن شاعر صحراوي آخر. مجنون ليلى، قيس بن الملوّح في قوله: بكيتُ على ليلى بدمعٍ كأنهُ دماءٌ جرتْ من مقلتي وانحدارُ أولئك بكل فخر هم أجدادنا رعاة الشاة والبعير التي يعيرنا بها البعض ممن يجهل تاريخنا وبالتالي لا يعرف ثقافة العرب العريقة. لا ريب بأنني بكلامي هذا لا أُفاضل بين الشعوب بقدر ما أسعى الى توضيح ثقافة أهل جزيرة العرب موطن الحضارة النقيّة المحضة التي لم تتأثر بشوائب ثقافة المستعمر الدخيلة. *لندن