حياة متقاعد (4)

بعد التقاعد تصبح وظيفة المتقاعد (غرندايزر) نظم وسرد “السواليف” بطلاقة وسلاسة عجيبة. ليس مضيعة للوقت كما يعتقد البعض في مناصبهم، لكنها أداة شحن للهمة أيا كان نوعها ونتائجها. يسعى للإبهار ببطولاته. شأنه أمام أنفسه يتعاظم. تفكير منطقي لتعويض مسؤوليات فقدها بالتقاعد. انتفاضة أخيرة بها يزرع بطولات تنظيرية. نتيجة لذلك تتعاظم علاقته مع الأحفاد الصغار. لا يسألون ولا يتساءلون. الجميع يعيش ويمارس بطولات طفولته. مع المتقاعد كل التساؤلات مشروعة، لكن الأحفاد الصغار لا يملكونها، فتموت الاحراجات وينطلق (غرندايزر). دوما هو الصادق. ذلك المتقاعد وصل مرحلة القناعة بأن التصرفات ليست بطولات هامشية. ذكرها والتغني بها استعراضا حميدا لفائدة الأجيال. التقاعد يقود إلى هذا النوع من نظم “السواليف” والفخر بسردها ويعززها. نحن المتقاعدون اخترعنا التجمعات. أطلقنا مصطلح “المجلس” أو “الديوانية”. نحن من اخترع فكرة “الاستراحة” التي هاجت وراجت ليلا، بعيدة عن منازلنا. نحن من أخترع هذا المثل: “كلام الليل يمحوه النهار”، وإلا كيف يتم نظم وسرد “السواليف” في ليلة كل يوم دون أن تنتهي؟! اخترعنا “ليالي السمر” حول نار هادئة برفقة القمر في سماه. حيث تحولت بقدرة قادر الى صناعة علب “الحانات” العالمية للطبخ والشواء. هكذا يصبح كل متقاعد منجم من الأفكار الجديدة. تحتاج أفكارنا السردية إلى مستثمرين ومؤلفين وصناع قرار.. لا استغرب أن يأتي من يخصص يوما سنويا يطلقون عليه: “يوم المتقاعد غرندايزر)” ليس تفاؤلا، لكن تحذيرا وحيطة. عبر التاريخ المتقاعدون خلف كل الحروب في العالم. أصبحت وظيفة متقاعدي العالم خدمة تجار الأسلحة والأدوية. ولأني -كمتقاعد- ولدت في قرية لها تراث، وتاريخ، وحدود طبيعية وسياسية مع بقية القرى الأخرى المحيطة، أصبح نظام وسرد السواليف عندي خليط من الحاضر والماضي الذي انقرض بفعل “التقدم” و”التقادم”. لست وحيدا في هذا المجال الحضاري، بل أصبح لنا نحن المتقاعدون من البيئات المتخلفة ميزة نسبية تجعلنا قادرين على حمل الماضي على أكتافنا كجثة هامدة، ونستمتع بهذا. أيضا نتحدث عن بطولات هذه الجثة وهي لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم. وفوق هذا نتلذذ بالقيام بهذا الدور. وتأكيدا لادعائي هذا.. نجد أن كل من رجع الى قريته التي خرج منها يسعى لتخليد الماضي بطرق العجن. حولنا بيوتنا الى متاحف تحمل أدوات ووسائل حضارة الرمق الأخير المنقرضة. ثم ندعوا الأجيال الجديدة لتذوق محتواها وهم عنها شاردين. قلة يقعون في قبضتها. هذه المتاحف التقاعدية منصات استعراضية، قد تناسب هذا ولا تناسب الآخر. الرسائل التاريخية مسؤولية جهات رسمية وليست مسؤولية أذواق شخصية. فعلتها كمتقاعد. منذ تقاعدي ودون تردد، عملت على إحياء القرية القديمة في داخلي، بعد أن خربها جور تراكم الحياة خارجها. كانت قرية مثلها مثل أي دولة في عالمنا الحديث. الاختلاف أن جميع رجالها هم جيشها. لا عاطل بينهم. لا متقاعد بينهم. لا خامل بينهم. ويمكن أن تضيف كل الصفات الحميدة المشتركة. أعمالهم اليومية شاقة، لكنها منضبطة تؤدى في وقتها دون تأخير أو تجاوز عمل على آخر. التوازن بينها يعطي ديمومة النجاح الناتج عن الإتقان. البعيد عن عدم الاجتهاد وتضاريسه. وجدت نفسي كمتقاعد أقوم “مستمتعا” بكل هذه الأدوار ونقيضها. ويستمر الحديث.