أمجد يوسف.. لكن أين حنة أرندت؟
1 أمجد يوسف عنصر سابق في جهاز الأمن السوري ارتبط اسمه بـمجزرة التضامن التي وقعت في دمشق عام 2013 أثناء الحرب السورية. اكتسبت القضية شهرة واسعة عام 2022 بعد نشر تسجيلات مصورة أظهرت عمليات إعدام جماعية لمدنيين معصوبي الأعين وإلقاء جثثهم في حفرة ثم إحراقها. ثم تعرّفت تحقيقات صحفية وأكاديمية مطولة عليه بوصفه أحد المشاركين الرئيسيين في تلك العمليات. أثارت التسجيلات صدمة عالمية كبيرة لأن منفذي الجريمة ظهروا وهم يمارسون القتل بصورة تبدو روتينية ومنظمة، مما جعل القضية تُناقش ليس فقط بوصفها جريمة حرب محتملة، بل كذلك بوصفها مثالا على دور الأفراد داخل أجهزة العنف المرتبطة بالدولة. ولهذا يمكن أن يحضر اسم أمجد يوسف في نقاشات فلسفية وسياسية حول المسؤولية الفردية، والطاعة، وعلاقة الموظف أو العنصر الأمني بجرائم النظام الذي يعمل في خدمته .لذلك فإن أهمية أمجد يوسف في النقاش لا ترجع إلى موقعه الرسمي بقدر ما ترجع إلى كونه أصبح رمزا لشخص متهم بالمشاركة المباشرة في العنف المنظم الذي وثقته التسجيلات المصورة. في التاريخ القريب المعروف ربما يكون نموذج أمجد يوسف هو أدولف آيخمان؛ وهو أحد أبرز المسؤولين النازيين عن تنظيم ترحيل اليهود الأوروبيين إلى معسكرات الإبادة خلال الحرب العالمية الثانية. وبعد هزيمة ألمانيا النازية فر إلى الأرجنتين، قبل أن تعتقله إسرائيل عام 1960 وتقدمه إلى المحاكمة في القدس. إذا زعمت أن أمجد يوسف هو النسخة العربية من آيخمان النازي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط من هو الجلاد أمجد يوسف، بل أين حنة أرندت؟ أين العقل النقدي القادر على تجاوز الإدانة المباشرة إلى فهم الشروط التي تجعل الجريمة ممكنة، وكيف يتحول فرد عادي إلى أداة في آلة القتل، وكيف تنتج الأنظمة رجالا قادرين على تنفيذ الفظائع ثم التعامل معها بوصفها جزءا من عمل يومي عادي.؟ 2 ترى حنة أرندت في كتابها عن محاكمة آيخمان أن مشكلة الشر الكبرى في العصر الحديث لا تكمن في وجود أفراد ساديين أو مجرمين بل في إمكانية الكبرى أن يتحول الإنسان العادي إلى أداة لارتكاب الجرائم حين يتوقف عن التفكير الأخلاقي المستقل. قبل أن تعقد المحاكمة توقعت أن ترى رجلا شيطانيا وشريرا ممتلئا بالحقد. لكنها فوجئت بأنها أمام رجل عادي جدا، يتكلم لغة إدارية باردة. يدعي أنه لم يقرر هو نفسه شيئا مما فعله. وما فعله هو أنه ينفذ القوانين والأوامر التي تصدر له. هنا صاغت حنة أرندت مفهوم تفاهة الشر؛ والمعنى أن الشر قد يصبح تافها؛ لا لأنه صغير أو غير مرعب، بل لأنه قد يُمارس بطريقة يومية عادية، داخل الروتين والبيروقراطية والطاعة، دون تفكير عميق في النتائج الإنسانية . لم تكن أرندت تريد أن تقول إن آيخمان بريء أو إن الجرائم النازية بسيطة، بل أرادت أن تقول إن خطورة الأنظمة الشمولية تكمن في قدرتها على أن تدفع الناس إلى أن يتخلوا عن قدرتهم على الحكم الأخلاقي الشخصي. في هذه الحالة لن يسأل هل هذا عادل؟ هل هذا إنساني؟” بل سيسأل فقط لا غير هل هذا هو المطلوب مني؟. وهكذا يصبح الناس؛ كل الناس من الموظف، والقاضي، والشرطي، والكاتب، وسائق التكسي، أجزاء صغيرة في آلة ضخمة للقتل، وكل واحد يشعر أن مسؤوليته محدودة لأنه مجرد منفذ. ترتبط فكرة تفاهة الشر باللغة. فقد لاحظت أرندت أن آيخمان يستعمل عبارات بيروقراطية جاهزة تخفي الواقع الحقيقي. مثلا بدل أن يقول (قتل البشر) يتحدث عن (حلول نهائية) و (إجراءات نقل). وهذه اللغة الجامدة تساعد الناس على الابتعاد نفسيا عن أفعالهم، فيفقدون القدرة على تخيل معاناة الآخرين. أصبح مفهوم تفاهة الشر فيما بعد تحذيرا فلسفيا وسياسيا. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأشرار الواضحين، بل كذلك عندما يتوقف الناس العاديون عن التفكير النقدي، ويعتبرون الطاعة فضيلة مطلقة. بطبيعة الحال أثار المفهوم جدلا كبيرا لأن بعض القراء ظنوا أن حنة أردنت تقلل من وحشية النازية، لكن مقصد أرندت هو العكس تماما؛ فالشر يصبح أخطر عندما يبدو عاديا ومألوفا ويمكن أن يشارك فيه أشخاص طبيعيون دون شعور حقيقي بالذنب. 3 يمكن أن نستخدم مفهوم تفاهة الشر بوصفه أداة لفهم آليات الطاعة والسلطة داخل مؤسسات جيش النظام السوري السابق وأجهزته الأمنية. فداخل هذه المؤسسات، كان العنصر يُربّى على أن مهمته الأساسية هي حماية الدولة والنظام، ومواجهة ما يُعرّف بوصفه تهديدا للأمن والاستقرار. وبمرور الوقت تصبح الطاعة جزءا من الهوية المهنية لهذا العنصر، فتتراجع الأسئلة الأخلاقية الفردية من قبيل: هل ما أفعله عادل؟ هل هو إنساني؟ ويحل محلها: هل هذا هو المطلوب مني؟ وهل ينفذ التعليمات الصادرة عن القيادة؟ تؤدي اللغة دورًا مهما في هذا السياق. فالأنظمة الأمنية والسلطوية كالنظام السوري السابق تستخدم في العادة عبارات من قبيل حفظ الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية الوطن، وهي لغة تجعل الأفعال تبدو ضرورات وطنية أو مهنية أكثر من كونها أفعالا ذات نتائج إنسانية مباشرة. فعندما يُختزل الناس إلى إرهابيين أو مخربين أو أعداء، يصبح التعامل القاسي معهم أسهل نفسيًا على المنفذين هنا يظهر مفهوم تفاهة الشر؛ أي أن الشر يتحول إلى ممارسة روتينية وإدارية. فالعنصر الذي يشارك في الاعتقال أو التحقيق أو التعذيب أو القتل لا يرى نفسه بالضرورة مجرما، لأنه لا يشعر أنه صاحب القرار. فهو مجرد حلقة صغيرة داخل جهاز أكبر منه، فتتوزع المسؤولية حتى تكاد تختفي نفسيا. وهذا بالضبط ما كانت أرندت تخشاه؛ أي أن يتوقف الإنسان عن التفكير الأخلاقي لاندماجه الكامل في النظام. لا تريد حنة أرندت أن تقول إن الإنسان يفقد مسؤوليته لمجرد أنه يطيع الأوامر. بالعكس، فهي ترى أن المسؤولية الأخلاقية تبدأ من قدرة الفرد على التوقف والتفكير ورفض المشاركة حتى لو كان النظام كله يدفعه إلى الطاعة. لذلك فمفهوم تفاهة الشر لا يبرر أفعال المؤسسات العسكرية والأمنية، بل يشرح كيف يمكن لأشخاص عاديين أن يشاركوا فيها دون أن يروا أنفسهم أشرارًا بالمعنى التقليدي. 4 بعد سنوات من رحيل حنة أرندت أشارت أبحاث جديدة إلى أن رغبة الأفراد في التقدم الوظيفي محفزة للتغاضي عن الشرور، وأن الأشخاص الذين يقومون بالعمل الإجرامي ليس شرطا أن يكونوا مجرمين بالفطرة. ففي كثير من الأحيان، يكونون رجالا أو نساء عاديين يبحثون عن طريقة للتقدم. وفي هذا السياق نشرت صحيفة نيويورك تايمز ملخصا لكتاب حديث عن السيرة المهنية لتفاهة الشر من تأليف عالمَي سياسة ألمانيين يبدو كما لو أنهما جمعا، بحسب المقال، أفكار الفيلسوفة أرندت حول مفهوم تفاهة الشر ودليل كلية إدارة الأعمال حول كيفية تحقيق أقصى استفادة من ذوي الأداء المنخفض. استند الكتاب إلى بيانات من الحرب القذرة في الأرجنتين خلال السبعينيات والثمانينيات، حين نشر الجيش الأرجنتيني سجلات تخرج وترقيات وتقاعد جميع الضباط. وشمل ذلك أعضاء الكتيبة (601)، وهي وحدة عسكرية نفذت أعمال الشرطة السرية الوحشية للنظام، بما في ذلك التعذيب والإعدامات خارج نطاق القضاء. لم يحقق بعض الضباط الأرجنتينيين الأداء المطلوب، وتخلفوا عن أقرانهم وأُجبروا على التقاعد. لكن هذه الكتيبة أتاحت لهم فرصا جديدة. إذ بإمكان ذوي الأداء المتدني من الضباط الانتقال إليها، والحصول على ترقيات بالقيام بأبشع الأعمال التي يفرضها النظام، ثم العودة إلى الجيش النظامي، متجاوزين بذلك أقرانهم الذين التزموا بالنزاهة. وكلما كان السجل الأكاديمي للضابط أسوأ، زادت احتمالية انضمامه إلى الوحدة. وكان يُلحق أصحاب الأداء المتدني بأشد الفرق وحشية، حيث تكون المكافآت الوظيفية هي الأكبر. 5 يساعد المثال الأرجنتيني على فهم جانب مهم من فكرة حنة أرندت بتحويل القسوة إلى مسار للترقي المهني والمكافأة المؤسسية. ويمكن قراءة بعض جوانب تجربة جيش النظام السوري السابق وأجهزته الأمنية من هذا المنظور. ففي المؤسسات الأمنية المغلقة كما هي تلك المؤسسات تصبح الطاعة المطلقة والاستعداد لتنفيذ المهام الأكثر قسوة مصدرا للثقة والترقي والنفوذ. أي أن الطريق الأسرع للصعود في هذه المؤسسات لا يكون دائمًا بالكفاءة المهنية أو العسكرية وحدها، بل بالاستعداد للقيام بالأعمال التي يتجنبها الآخرون. وهنا يصبح الشر جزءا من الحوافز الوظيفية وليس مجرد انفعال شخصي. فالنظام لا يحتاج إلى أفراد استثنائيين؛ يكفي أن يربط المكافأة بالطاعة وأن يجعل التقدم المهني مرهونا بالامتثال. بهذا خلقت المؤسسات العسكرية والأمنية السورية السابقة بيئة أصبحت فيها القسوة أو الاستعداد للقمع مصدرا للثقة والترقي والنفوذ. فالعنصر الأكثر استعدادا لتنفيذ السياسات الصارمة ضد المعارضين يُنظر إليه على أنه أكثر ولاء وانضباطا. ومع الوقت لم يعد العنف مجرد أداة، بل تحول إلى لغة مهنية لإثبات الجدارة والطاعة. وفي هذه البيئة يجد بعض الأفراد الذين لم يحققوا نجاحا استثنائيا كأمجد يوسف فرصة للصعود عبر الأجهزة الأمنية والعسكرية، حيث يُعاد تعريف القسوة باعتبارها التزامًا بالواجب. ليس شر أمجد يوسف فعلا فرديا معزولا، بل مسارا مهنيا دعمته الثقافة المؤسسية والترقيات وشبكات الولاء. وهذا تحديدا ما يجعل مفهوم تفاهة الشر مخيفا، لأن النظام يستطيع تحويل الطموح العادي والخوف والرغبة في النجاح إلى أدوات للمشاركة في العنف دون أن يشعر المنفذ بأنه شرير بالضرورة.