شعرية الذكاء الاصطناعي.

في تجربة صغيرة اختبرتُ عدداً من الحضور في أحد الأمسيات على اختلاف مستوياتهم الثقافية والأكاديمية والأدبية، لتمييز ثلاثة نصوص كُتبت بشرياً، ومثلها أخرى كُتبت بالذكاء الاصطناعي، والمدهش هو حجم الاختلاف الذي حصل بينهم في تمييز ما هو بشري وما هو ذكاء، مما يعني أن التشابه بين النصوص كان كبيراً إلى الحد الذي أربك الحضور، وهذا الأمر يطرح أمامنا تساؤلاً حول مستقبل الكتابة البشرية ومستقبل الكتابة بالذكاء على حد سواء: أيهما الذي سيكون أكثر حضوراً؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتحقق فيه شعرية الآلة؟! من الجلي، وعلى كافة المستويات، أن حضور الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصراً على إنجاز العمليات الحسابية والمنطقية البحتة، فهو يمتد ليتدفق في شرايين اللغة، وهي الخاصية الإنسانية الأشهر في الوجود، محاولاً إنتاج نصوص ومقاربات تقترب من حدود الأدب، ليضعنا هذا التطور أمام تساؤل فلسفي ونقدي معقد: هل يمكن للآلة، المبنية على خوارزميات وقواعد رياضية صارمة، أن تمتلك “شعرية” قادرة على إنتاج المجاز وخرق القواعد البلاغية؟ الإجابة تتطلب إعادة طرح مفهوم الشعرية في التراثين الغربي والعربي، ومن ثم مقاربتها مع آليات عمل الذكاء الاصطناعي في نمذجة اللغة وتفكيك النصوص، وصولاً إلى استكشاف حدود هذه التجربة الآلية أمام فرادة الذات الإنسانية. في النقد الغربي، نقل الناقد “تودوروف” التركيز من دراسة النص الأدبي بعينه، إلى البحث فيما أسماه بـ “الأدبية”، وهي تلك القوانين والخصائص الهيكلية الخفية التي تمنح أي نص هويته الإبداعية وتجعله فريداً، وتتعزز هذه الأدبية عند “رومان جاكبسون” حين رأى أن النص يكتسب هذه الأدبية عندما تسيطر عليه “الوظيفة الشعرية” وتتراجع فيه وظيفة اللغة العادية، وفي هذه الحالة تعود الرسالة اللغوية لكي تكون غاية وقيمة في حد ذاتها قادرةً على إيجاد جماليتها الخاصة، ولكي يفسر جاكبسون ذلك صاغ قاعدته الشهيرة: “إسقاط مبدأ التماثل من محور الاختيار إلى محور التأليف” والمقصد أننا في لغتنا اليومية العادية، نقوم بعمليتين: الأولى ذهنية نختار فيها الكلمة من بين كلمات متشابهة ومترادفة (وهذا هو محور الاختيار)، والثانية عملية نطق نركب فيها الكلمات متجاورة لتكوين جملة مفيدة حسب قواعد النحو (وهذا هو محور التأليف)، أما في لغة الأدب فإنه يتم نقل هذا “التشابه أو التماثل” ويفرضه بالقوة على تركيب الجملة وتأليفها، بمعنى أنه يرص الكلمات بطريقة تجعلها تتشابه في إيقاعية محددة، أو تضادٍ معنوي، تجعل من شكل الجملة جزءاً من سحرها الجمالي. أما “جان كوهن”، فقد بنى شعريته على مبدأ المقارنة بين الشعر والنثر، معتبراً أن الشعر يمتلك لغة “مصنوعة” تعتمد على “الانزياح” (خرق المعيار المألوف)، وهو خرق يهدف لخلق غموض إيجابي يمنح النص قوّته الفنية. وفي الموروث العربي تتكئ الشعرية على تضافر عناصر فلسفية، لغوية، وجمالية تخرج الخطاب من حيز الاستعمال العادي (النثر المباشر) إلى فضاء الإبداع من خلال عدة أمور، لعل منها الارتباط الوثيق بين مفهومي: “التخييل” و”المحاكاة” حيث يُعد التخييل حجر الزاوية في المقاربة الفلسفية للشعرية العربية، فالفارابي يرى أن الأقاويل الشعرية غايتها أن “تُخيِّل في الأمر”، أي تصور الشيء للمتلقي على هيئة أحسن أو أقبح، مما يثير في نفسه الجلال أو الهوان أو الشعور بالجمال، ويضيف ابن سينا أن الشعرية تتولد من غريزة الإنسان وحبه الطبيعي لـ “الالتذاذ بالمحاكاة”، فهي تنبع من قريحة المتكلم وطبعه وعاداته، مما يمنحها بعداً نفسياً عميقاً يرتبط بالغريزة الإنسانية. كما يعمل المجاز في الثقافة العربية على مبدأ التغيير في الألفاظ (الانزياح والخروج عن المألوف)، فالمجاز يعد مقوماً دلالياً حاسماً، وقد عُرف في التراث على أنه “اتساع في كلام العرب” كما عند ابن جني، لكونه يُعدل به عن الحقيقة لأغراض كالتوكيد والتشبيه وغيرها، واعتبره ابن قتيبة ضرورة لغوية ودلالية لا مناص منها لإنتاج المعنى وليس مجرد خروج طارئ على اللغة، أما ابن رشد، فيرى أن الشعرية تتحقق بـ “التغيير” وإخراج القول عن مخرج العادة (كاستخدام التشبيه والاستعارة) لخلق أثر في النفوس، وكل هذا يقود في الأخير إلى الخروج عن محددات اللغة والانزياح بها من مستوى إلى مستوى آخر، وهذه الرؤية تمتد إلى النقد العربي الحديث، تطور هذا المفهوم ليصبح ما أسماه كمال أبو ديب بـ “مسافة التوتر” أو “الفجوة”، وهي الخاصية التي تكسر المساحة المألوفة للغة وتشكل ابتكاراً أو انحرافاً جمالياً ويأتي النظم والصياغة (البعد البنيوي والتركيبي)، بوصفه ركيزة من ركائز الشعرية في النقد العربي القديم فالجاحظ عرّف الشعر بأنه “صناعة، وضرب من النسيج، وجنس من التصوير”، مقدماً جودة اللفظ والسبك والتركيب على المعنى، ثم جاء الإنجاز الأهم مع عبد القاهر الجرجاني الذي أرسى “نظرية النظم”، حيث اعتبر أن الألفاظ لا تُعرف معانيها إلا بضم بعضها إلى بعض في سياق نحوي وتركيبي دقيق، ليتولد ما أسماه بـ “معنى المعنى”، وبذلك قضى على الفصل التعسفي بين اللفظ والمعنى، كما اعتبر حازم القرطاجني أن الشعرية تكمن في “النظم” وحسن موقع الأقاويل من النفوس، وليس في مجرد حشد الكلمات، إلى جانب تأكيده على المحاكاة والتخييل في تقاطع واضح مع فلسفة أرسطو من قبل. وبناءً على كل ما سبق فإنه يمكن صياغة المفهوم الشامل للشعرية بأنها النسق الذي تمنح فيه القوانينُ المجردة صفة الأدبية للنص، تهيمن فيه الوظيفة الجمالية على الوظيفة التواصلية، ويُوظف الانزياح اللغوي وتراكيبه اللغوية والتخييل والمحاكاة لإحداث أثر وجداني في المتلقي. لكن ما علاقة كل هذا بالتوليدية الأدبية التي يحاول أن يحققها الذكاء الاصطناعي في نماذجه اللغوية؟ من المعروف لدى المهتّمين أنّ الذكاء الاصطناعي لا يكتب انطلاقاً من حالة إلهام كما في التجربة البشرية، وإنما يعتمد على ما يُعرف بـ “التعلم الحاسوبي”، ومن أجل فهم اللغات الطبيعية وتوليدها يتم تغذية الآلة بمدونات لغوية ضخمة نصوصها بالعادة موسومة ومحددة. تعتمد هذه النمذجة على مسارين أساسيين: مسار “التدريب” الذي يتم فيه هضم العينات اللغوية الوفيرة لضبط المعايير الرياضية، ومسار “الاستنباط” الذي تُستخدم فيه النماذج الرياضية الاحتمالية لترجيح الكلمات وتوقع المخرجات بناءً على الأنماط التي تدربت عليها الآلة، وبذلك فإن ما يبدو لنا إنتاجاً مجازياً أو شعرياً من الآلة هو في جوهره حساب احتمالي هندسي يهدف إلى توليد سلسلة الكلمات ذات الترجيح الرياضي الأعلى، مما يحيل اللغة داخل الآلة إلى بنية رياضية مجردة بعيدة عن الشعور الفطري. وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى: كيف لخوارزمية صارمة أن تفهم الانزياح الذي هو تدمير مقصود للقواعد؟ يكمن الجواب في طرح “جان كوهن” الذي جعل الظاهرة الشعرية ظاهرة قابلة للقياس، معرّفاً إياها بأنها “متوسط التردد لمجموعة من المجاوزات”، وبناءً على ذلك، يقرأ الذكاء الاصطناعي الانزياح بوصفه “انحرافاً إحصائياً” قابلاً للرصد في مدوناته المرجعية، إضافة إلى مسألة التأليف والنظم التي عُرفت في الثقافة العربية، والمحاكاة التي تفعلها الآلة تماماً كما هي المحاكاة في التراث الفلسفي والنقدي. وهذا الأمر يقودنا إلى ذروة الصراع بين الأدب والتقنية، ففي الفضاء الأدبي يعد “الغموض الإيجابي” والالتباس المتولد عن مسافة التوتر ميزة جمالية تفتح باب التأويل وتُغني النص بالدلالات المفتوحة، لكن بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فيمثل اللبس الدلالي والتركيبي عقبة ضخمة يجب التغلب عليه برمجياً، لأن الخوارزميات تنتج تحليلات وحلولاً متعددة ومتضاربة للكلمة الواحدة. علاوة على ذلك، تقف الآلة عاجزة أمام امتلاك “الذاتية” أو “الوعي”، فالإنسان يتمتع بميزة “الإحالة الذاتية” والقدرة على الشعور بكينونته، أما خوارزميات الذكاء الاصطناعي، فهي محكومة بأسقف رياضية تمنعها من إدراك وجودها (حتى الآن)، فلا تمتلك الآلة الشعور الذي يقودها إلى كتابة نص، وما يظهر من انفعالات في نصوصها المولدة هو محض محاكاة ناتجة عن التهام آلاف النصوص الإنسانية السابقة وتكثيفها في قوالب جاهزة تعتمد على التباين والنمذجة، وعلى رغم براعة الآلة في رصد البنية الشعرية والسردية في السياقات اللغوية وتحليل الكلمات الشعورية، إلا أن إنتاجها يبقى محكوماً بغياب التخييل الحقيقي كما حدد الفارابي وابن سينا، فالتخييل يعتمد على إثارة وجدان المتلقي نابعاً من قريحة المتكلم. نعم.. الآلة قادرة على “المحاكاة” الهيكلية، لكنها تقف عاجزة عن تحقيق “التخييل”؛ لأن التخييل فعل ينبع من غريزة وحاجة نفسية للتعبير عن العالم، وهو ما تفتقده النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى عقبة المعرفة الفطرية بالعالم، فالبشر يشتركون في تراكم وجودي وفطري للأحداث اليومية والمشاعر، في حين يتطلب تحويل هذا الخيال المترامي الأطراف إلى أنطولوجيا حاسوبية أمراً في غاية التعقيد وشبه مستحيل على المستوى القريب، فالآلة تُفكّر باللغة وتُنتجها مطعَّمةً بالحُلي اللفظية والمجازات، لأنها مبرمجة لتعظيم الوظيفة الشعرية وتكرار عملية الانزياح، لكنها لا تستند إلى مرجعية فطرية في العالم الحقيقي. كما أن غياب القصدية يؤثر على مستوى الشعرية، فالأديب يعمد إلى تكسير قواعد اللغة والخروج بها عن المألوف والاعتيادي إلى مستوى آخر وعياً قصدياً لتوليد دلالة جديدة، بينما الآلة تعيد تدوير هذا الانكسار بوصفه عملية رياضية دون وعي أو قصدية حية لإحداث هذا الأثر التخييلي الجمالي. ومع ذلك فقد حقق الذكاء الاصطناعي وثبات هائلة في معالجة اللغات الطبيعية، واستيعاب هياكلها، وأثبت قدرة مذهلة على مستوى التحليل والتوليد، فهو يجيد قراءة الطبقات الصامتة، وإعادة استخدام الاستعارات من مخزون الذاكرة البشرية المتكدسة، غير أن شعرية الذكاء الاصطناعي تظل شعرية هندسية، مفرغة من الروح لكونها ترتكز على الاحتمالات الرياضية، وإعادة تدوير الهدر اللغوي للبشر. وفي رأيي أن الأدب الأصيل والمجاز العميق سيظل منوطاً بذاتية الأديب والخبرة الإنسانية الفردية، لأن الشعرية ليست مجرد نظم للكلمات في قوالب متوازية ومنزاحة وفق متواليات رياضية؛ إنها أعمق من ذلك، إنها تفاعل حي، ونبض غريزي، وانعكاس لوجود إنساني يتألم، ويفرح، ويخلق من التخييل قلقاً وجودياً. الآلة حاسوب بارع يُقلد المجاز، لكن الإنسان وحده هو من يحيا داخله. ولا يعني ذلك عدم الاستفادة الأدبية من نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما المعنى أن يمنح الأديب روحه لنصه المولد بالذكاء، ويعيد ترتيب علاقته بالنص الجديد بوصفه مساعداً لا بديلاً، من أجل فتح أفق شعري جديد، مثله مثل الأفق الذي منحته الكاميرا لتثبيت اللحظة الوجودية لموجودات الحياة، ومثل الأفق الجمالي الذي منحته السينما لسردية الوجود بصرياً، وفي ظني أنه يمكن تحقيق الشعرية المطلوبة من خلال فكرة التجاوز، والتي هي محاولة لأخذ النص إلى مستوى يتجاوز فيه حدود اللغة البشرية وحدود المجاز الآلي إلى مساحات جديدة أوسع بما يمتلكه الذكاء من قدرة هائلة على التوليد، وبما تمتلكه التجربة الإنسانية من عمق وذاكرة وقلق وجودي.