لا أحتاج إلى غرفة لأكون كاتبة.
لو انتظرت اللحظة المناسبة للكتابة، أو بحثت عن الغرفة الهادئة التي حلمت بها «غرفة تخص المرء وحده»، لبقيت كلماتي حبيسة الأدراج. فقد طالبت فرجينيا وولف بحق النساء في امتلاك غرفةٍ تخصّهن وقدرٍ من المال، في زمنٍ كان المجتمع فيه يصادر أفكارهن، غير أن الزمن يتغير، وتتغير معه الأسئلة: هل حقًا ما زلنا بحاجة إلى غرفةٍ مغلقة كي نكتب؟ أؤمن أننا تجاوزنا الحاجة إلى ذلك؛ فقد صار فعل الكتابة لا ينتظر مكانًا. وما إن أبدأ حتى يهدأ العالم من حولي، وكأنني أغلق بابًا خفيًا لأعبر إلى غرفة لا يراها أحد. أدرك أن الحياة لا تمنحنا سوى المحاولات، لذا أكتب لأصنع منها نافذةً وسط هذا الصخب، ولأنصت إلى نفسي بينما الحياة تطالبني بالالتفات. وفي تلك اللحظة التي أصغي فيها لصوت الشخصية التي أبتكرها، يتسلل من الصالة المجاورة صوت العائلة؛ لأتساءل: لماذا أُصرُّ على الكتابة؟ فنحن نحتاج إلى العزلة لنفهم العالم بشكلٍ أفضل، لكننا نحتاج إلى العالم ذاته لكي نجد ما يستحق الحديث عنه. أدرك أن الإجابة تكمن في شغفٍ يقتادني لتفكيك كل ظاهرة، وكل حركة، وكل سلوك بشري. فالكاتب الذي لا يكتب إلا في ظروف معينة، يظل شاهدًا على الحياة أكثر من كونه مشاركًا فيها. والذي ينتظر الغرفة والمال قد يفوته الإلهام. أما الذي يكتب وهو يمشي، فيدرك أن كل مكانٍ صالحٌ للكتابة. ولذلك لم يصنع التاريخ الأدبي المتفرغون وحدهم، بل صنعه أولئك الذين اقتنصوا جملهم في القطارات، وعلى مكاتبهم، أو وسط روتين الحياة؛ فأجاثا كريستي، على عكس كثير من الكتّاب، لم تكن تملك مكتبًا خاصًا في منزلها، بل كانت تكتب في أي مكانٍ متاح؛ كالمطبخ، أو أرجاء المنزل، أو حتى غرف الفنادق. هذه النماذج تعلّمنا أن المكان الحقيقي هو الداخل؛ حيث يتجلى فعل الكتابة في قدرتنا على الجلوس مع الذات، والاحتفاء بها، ومحاورتها، وتركها تعبّر عن نفسها، سواء كانت نصوصًا ناضجة أو محاولات. ومنذ ذلك صرت أحمل غرفتي معي أينما ذهبت؛ فما إن يتسع داخلي للحقيقة، حتى تنهمر الكلمات.