منذ أن بلغني خبر وفاة الدكتورة عائشة الحكمي وأنا أحاول أن أكتب عنها، أبدأ ثم أتوقف، ليس لأن الكلام قليل، بل لأن البعض يكون حضورهم في الذاكرة أكبر من أن تحتويه الكلمات. وصلني خبر وفاتها وأنا غير مصدّق. كيف يمكن لإنسانة كانت قبل أيام تتحدث وتناقش وتشارك وتمنح من وقتها وفكرها أن تغيب فجأة! كيف يمكن لصوت اعتدناه أن يصمت! ولحضور ألفناه أن يتحول إلى ذكرى! عرفها كثيرون أستاذة للأدب والنقد، وباحثة شاركت في المؤتمرات والملتقيات داخل المملكة وخارجها، وكتبت وقدمت وحاضرت وتركت أثرًا علميًا وثقافيًا ممتدًا. لكنني كلما حاولت أن أتذكرها لم تتقدم إلى ذهني الألقاب ولا الشهادات ولا المناصب، بل تقدمت الإنسانة، تقدمت بكل تواضع وهي تكتب في سيرتها الذاتية أنها حصلت على دورة في الخياطة، وأخرى في الآلة الكاتبة. لم تُنسِها المؤهلات العليا بداياتها، بل افتخرت بها كجزء من كفاحها النبيل في هذه الحياة. الدكتورة عائشة من أولئك الأشخاص الذين يمنحونك شعورًا صادقًا بالأخوّة منذ الحديث الأول. لا تحتاج إلى وقت طويل لتدرك إنسانيتها، ولا إلى مقدمات كثيرة كي تكتشف طيبتها. كان في نبرة صوتها ما يكشف عن نفس هادئة، وفي حديثها ما يدل على احترام الناس وتقديرهم، وفي أسلوبها ما يجعلك تشعر أنك أمام إنسانة وُلدت وهي تملك مهارة التواصل، لا باعتبارها مهارة مكتسبة، بل باعتبارها جزءًا من تكوينها الإنساني. وفي زمن أصبح فيه التكلف حاضرًا في كثير من العلاقات، كانت عائشة تبدو على سجيتها. تتحدث وتتعامل كما هي، دون تصنع أو ادعاء. فهي تظهر تلقائيًا في الكلمات، وفي ردود الأفعال، وفي الاهتمام بالناس، وفي احترام مشاعرهم. ولعل أكثر ما شدني فيها أنها كانت تحمل ذلك التوازن النادر بين الرصانة الأكاديمية والروح الإنسانية. فالدكتورة التي وقفت على المنصات العلمية، وشاركت في المؤتمرات الدولية، وكتبت في النقد والسرد والسيرة الذاتية، هي نفسها الإنسانة التي تشعرك بأنك تتحدث إلى أخت كريمة تعرفك منذ سنوات طويلة. قبل أشهر جمعنا لقاء أدبي في جدة حضرت إليه من تبوك. أتذكرها يومها وهي تقدم قراءاتها حول رواية د. منى الغامدي “أغصان المنازل” تتحدث عنها بوعي الناقدة وخبرة الأكاديمية، ولكن أيضًا بشغف القارئة التي ما زالت تحتفظ بدهشتها الأولى أمام الأدب الجميل. لم يكن يخطر ببالي وأنا أتابع حديثها وأصغي إلى مداخلاتها أن ذلك اللقاء سيكون من آخر الصور التي ستبقى محفوظة في الذاكرة. واليوم، كلما عادت تلك الأمسية إلى ذهني، بدا المشهد أكثر وجعًا؛ لأن أحد المقاعد التي كانت عامرة بالحياة والثقافة والود أصبح فارغًا. هكذا هي الحياة؛ نلتقي أشخاصًا نظن أن الوقت ما زال واسعًا أمامنا للحديث معهم، ثم يصدمنا الفقد، فنكتشف أن تلك الأصوات كانت تشكل جزءًا من المشهد الجميل الذي اعتدناه دون أن نشعر. اللهم اغفر لعائشة الحكمي، اللهم ارحمها، واعفُ عنها، وأكرم نزلها، وثبّتها عند السؤال، واجعل القرآن لها أنيسًا ونورًا، واجمعها بمن تحب في جنات النعيم. اللهم أحسن عزاء أهلها وذويها ومحبيها وعظّم أجرهم، وألهمهم الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.