إلى الحداثة وما بعدها!

كتب الفيلسوف الإنجليزي “برتراند راسل” في مُقدّمة كتابه “انتصار السعادة”: “أشدّ الناس تعاسةً يُمكن أن يُصبح سعيداً بالتوجيه المُلائم”. هذه العبارة تُشبه تماماً المواد الإعلانية التي تُطاردنا في كلّ مكان، من أجل شراء كُتب جديدة في “التنمية البشرية”، أو الاشتراك في دورةٍ مدفوعة الأجر للتدريب على اكتشاف قُوانا الخفية، أو الحصول على السعادة والنجاح والثّقة، أو التخلّص من القلق والخوف. وفي الحقيقة، لا يُمكن إنكار أهميّة كُتب “التنمية البشرية” ودورات “البرمجة اللّغوية العصبية” بشكلٍ عام، ولكن ربما اتُّهمتْ من البعض بشكلٍ غير مُنصف بالاستغلال والهُراء وغير ذلك من الأوصاف السلبية، التي ربما انطبقت على عددٍ محدود منها لا يُمكن تعميمها. على أن مثل هذه المقاييس المُزعجة يُمكن أن تكون مقبولة ً إذا نُظرَ إليها كسِماتٍ ثقافية لمرحلة “ما بعد الحداثة”، وهذه التّسمية المُراوغة تُخفي الحال الكابوسية التي وصل إليها العالَم المُعاصر، بمُفرداتها المادية المُستحدثة وموازينها المقلوبة! ولتقريب هذه الصورة إلى الأذهان، يُمكن الاستشهاد، على سبيل المثال، بالعالِم الفيزيائي الشهير “إسحاق نيوتن”، الذي عُرف باكتشاف نظرية “الجاذبية”، وذلك - كما هو معروف - حين كان جالسا في مزاجٍ تأمّلي في الحديقة تحت ظِلال بعض أشجار التفّاح، فرأى تفّاحةً تسقط على الأرض، فقال لنفسه: “لماذا تسقط التفّاحة دائماً بشكلٍ عمودي على الأرض؟ لماذا لا تنحرف جانباً أو تصعد لأعلى، بل تسقط دائماً باتّجاه مركز الأرض؟ لا بدّ إذن أن الأرض قد جذبتها، وبالتالي لا بدّ من قوّةٍ جاذبةٍ في تلك المسألة”. وهكذا بدأ “نيوتن” بالتدريج في تطبيق خاصيّة الجاذبية على حركة الأرض والأجسام السماوية، ولم يطرح قانون “الجاذبية “ بالكامل للنقاش العلمي حتى نشر كتابه “الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية” في عام 1687، وذلك بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على تلك الواقعة! يُقارن مُدرّبٌ للتنمية البشرية عصر النهضة والاكتشافات الكُبرى مع عصر “ما بعد الحداثة”، بطريقةٍ ساخرة مُغرقة في الخيال ولكنها ذات مغزىً عميق؛ فيُصوّر “نيوتن” جالساً - بعد انطفاء الحداثة - مُسترخياً تحت الشجرة يأكل التفّاح! ويُعلّل المُدرّب ذلك بأن “نيوتن” يفعل ذلك لأن تاجراً من أحفاده سأله: “ماذا استفدتَ من المُعادلات البائسة التي تُزعج الطّلاب في المدارس؟ ألم يُسعدهم أكثر أن يتذوّقوا طعم التفّاح”!؟ ثم أن “نيوتن” ندمَ بعد ذلك على الفرَص التي ضيّعها، بعد أن قرأ هذه النصيحة في كتاب “ستيفن كوفي” الشهير “العادات السبع للناس الأكثر فعالية”، وهي: “عليك أن تبدأ في تطبيق ما تعلّمت، فحينما تتعلّم ولا تُطبّق ما تعلّمته فأنت لم تتعلّم شيئاً، وهذا هو الجهل”. وبعد هذه النصيحة “البراجماتية”، أدمن “نيوتن” قراءة كُتب التنمية البشرية، وودّع الفلسفة والتأمّلات ومُعادلات الرياضيات، إلى أن سمع صوت “كوفي” يهتف به: “كُن مُبادراً.. يجب أن تُفكّر في المنفعة للجميع”، فانتفض “نيوتن” واقفاً، وجرى نحو السوق ليؤسّس مع أحفاده “امبراطورية التفّاح الكُبرى”! كان نجاح الإمبراطورية التجارية مُدويّاً، بحيث أذهل الفيلسوف “برتراند راسل”، فأمسك كتابه عن السعادة، وألقاه من النافذة، وانتظر نصيحة أحدهم ليتخلّص من تعاسته! وانبهاراً بنجاح تلك الإمبراطورية، كتب “فوكوياما” مُعلناً نهاية التاريخ”، ومؤكّداً اكتمال البرنامج المثالي لحياة الإنسان المُعاصر؛ كلّ شيء صار معروفاً، فلا حاجة إذن لمزيدٍ من الدهشة والفلسفة والتأمّلات، فسفينة البشرية وصلتْ إلى الشاطئ، وعلى رُكّابها الاستمتاع بمباهج الحياة (لمن يملك طبعاً!). فالحقّ صار مع “الزبون”، والإنسان الجيّد هو الأكثر استهلاكاً، والأكثر تكيّفاً مع الحياة كما يرتضيها التُجّار؛ حيث تنتشر الوجبات السريعة، ويمتطي الجميع أحصنة الاتّصالات الخُرافية التي تتجوّل في الفضاء السحري لكوكب “البرجوازية” المُنتصرة! والكن الأمريكي “بنجامين باربر” في كتابه “الجهاد في مواجهة عالم الماك” سخر من هذه الخدعة الأمريكية، وطالبَ بالوقوف ضد غرور “السوبرمان” وأوهام “عالَم الماك”، واستند في موقفه هذا على مجموعةٍ من فُرسان العالَم القديم؛ مثل التاريخ والفلسفة والثقافة. أليست التنمية البشرية هي التطوّر الطبيعي لهؤلاء الفُرسان الباحثين عن الحقّ والخير والجمال منذ فجر البشرية؟ لمَ لا يُمكن أن يكون “كوفي” و”كارنيجي” و”إبراهيم الفقي” أكثر فائدةً من “أرسطو” و”كانط” و”راسل”؟ إن البحث عن النجاح والسعادة لم يكُن مُجرّد حيلةٍ جديدةٍ يتكسّب منها مؤلّفو كُتب التنمية البشرية، لكنه هدفٌ قديم راود الإنسان منذ القِدم، بل إن مفهوم الثقافة يرتبط بمحاولة وصول الإنسان إلى الصيغة الأفضل في التعامل مع نفسه ومع غيره ومع ما يُحيط به، بهدف السعي لارتقاء القيَم الإنسانية، بحيث صار الفرد المُثقّف هو الشخص المثالي في حُسن السلوك والأخلاق، وأفضل ما توصّل إليه البشر من طُرقٍ للتفكير في زمانه.