عبدالله العثمان في معرضه الأخير:

اصطياد الأسماك الذهبية في البحر الميّت.

هاني نديم من يقبض على الزمن المهمل والساعات الذائبة؟ من يفكر بسلكٍ مهترئ لم يشكره أحد حين اكتمل البناء؟ من "يبروز" الصدأ ليقول للناس: أنظر إلى جمالي قليلاً وأنت تحتفي بالزهور؟ لقد فعلها الفنان السعودي عبدالله العثمان باقتدار وحصافة وشاعرية لا توصف. في هذا المعرض الفني يقدم العثمان التفاتة بصرية فريدة واشتغالاً بديعاً على المهمل والمنسي واللامقدر، إذ يطرح في سلسلة من الأعمال التركيبية، ذاكرةً مكانيةً مشغولة بعاطفة طافحة وحساسية شديدة، ويؤسس لخطاب فلسفي مبني على التحول والأرشفة وتآكل الزمن وهو في طريقه لبناء زمن جديد وأرشيف بكر. كما يستخدم المهمل والهامش في شرح متنه الفني هنا، بقايا أسلاك، ألواح معدنية أكلها الصدأ، قطع خشبية نجت من الاستخدام وعاشت من مؤونة المباني، صورٌ فوتوغرافية عتيقة لأبنية لا نعرف أين هي. يهيمن عنصر الصدأ على البنية اللونية واللمسية لهذه الأعمال، مشكلاً بأكسدته ألواناً متباينة، من الأزرق إلى الذهبي والأخضر، بجمالية وشعرية لا توصف. في استخدام الحديد لتأطير الصور التي اتخذت في مواقع البناء إشارة أخرى لتأطير الزمن الزائل والمنسي بعد اكتمال المباني، إنها عودة الأحشاء الداخلية للتمظهر الحزين حيناً والفج حيناً آخر. وكأنه يكتب تأريخاً جديداً ذاتياً للأشياء التي مرت من ذاكرتنا البصرية، يعيدها من جديد على هيئة نصوصِ قلقة، كولاج يدمج بين الوثيقة والمادة كنوع من الأرشفة المضادة للمنسيات. احتفاء بالزمن الطيّب إن هذه الخامات الثقيلة والأصيلة، الحديد، الخشب، الصور، بقايا الأسمنت والأسلاك المعدنية، قد وجدت بدائل في معظمها، أو تغييراً جذرياً في آلية استخدامها، فلم تعد بطلة الحكايا كما كانت في السابق، وأزيحت لصالح خامات أخف وأسرع، كجيلٍ يزيح جيل، مما يرسخ فكرة الاحتفاء بالزمن الطيب وخاماته وأبنيته وأصالته أيضاً. لقد شكلت مجتمعة تحت سقف واحد، سرداً عميقاً وبياناً بصرياً يشير بكل أصابعه إلى الزمن وفلسفة النسيان والإهمال. والمدينة التي تغيرت كثيراً وأصبحت تلفظ المتون التي كانت وتصنع متوناً جديدة تحتاج إلى الوقت والصدأ لتأخذ هيبتها وسمعتها. ينجح العثمان في ممارسة "التقشير البصري"؛ إذ يختزل المدينة الكبيرة ومواقع بنائها الشاهقة في كادر فوتوغرافي صغير وبضعة قضبان حديدية. كما ينجح في التقشف البلاغي، فهو لا يتقصد الصدمة ولا يسحب الزائرين إلى الألوان والبهرجات، مقدماً لنا جغرافيا مصغرة للتحوّل الحضري، ودليل جيب لجيل كاد ينسى تلك الخطوط الشاعرية التي صنعت حياته ومنزله دون أن تختال بألوانها وجمالها. بل تصنع من الخشونة والألوان الكالحة ما يمكن تعليقه على الجدران، تلك الجدران نفسها التي تتباهى اليوم بجمال الخلية الأولى التي لا ترى. لقد قدم عبدالله العثمان في هذا المعرض الفارق نفسه كشاعرٍ له ديوانان مطبوعان، مثلما قدم نفسه كفنان مفاهيمي في غاية الخصوصية. حيث النوافذ لها مجازات أخرى هنا، والأقواس لا تعني ما كانت تعنيه في حياتها الأولى، وحيث هذا التداخل بين الواقع المصور والواقع المادي الذي يخلق حواراً مستمراً حول "ما قبل" و "ما بعد"، لتنفجر الصورة في آخر الأمر ودون قصد منها كقصيدة موغلة في الحنين والذكريات. بحيث أستطيع أن أقول إنها قصائد بصرية مفاهيمية تعيد صياغة البقايا، وتعيد تدوير الزمن لتصنع الشعر من الجمل المتقشفة، والوثيقة من الأدوات المنسية والأفكار من الأسلاك الملتوية. تذكرت جملةً وحيدة ترددت معي في هذا المعرض، كنت كتبتها عنواناً لقصيدة: سمك ذهبي ملّون في البحر الميت.