يعد الاحتفال بمرور خمسة وسبعين عاماً على تأسيس مجلة اليمامة تظاهرة ثقافية وإعلامية استثنائية، تحتفي برحلة جيل وصناعة وعي وطني واكب نهضة المملكة العربية السعودية منذ بداياتها التنموية الأولى. فهذه المؤسسة الصحفية العريقة، التي انبثقت فكرتها كصحيفة أسبوعية في مطلع السبعينيات الهجرية من القرن الماضي على يد علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر رحمه الله ، لم تكن مجرد نافذة لنشر الأخبار، بل كانت وما زالت مختبراً فكرياً وثقافياً حياً أسهم في صياغة المشهد الأدبي والاجتماعي السعودي، ونقل التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد بقلم رصين ورؤية متزنة عبر العقود. ولذا لم يكن مستغرباً تلك المحاضرة التي نظمها مركز حمد الجاسر الثقافي بمناسبة هذا الاحتفال استحضارًا لمسيرة المجلة ودورها الريادي. وقد قدّم المحاضرة الدكتور عبد العزيز بن سلمه بمشاركة وإدارة الأستاذ الشاعر عبد الله الصيخان المشرف على تحرير المجلة في حلتها الجديدة، وذلك في دارة العرب بالرياض ، حيث شكّلت هذه المحاضرة امتدادًا طبيعيًا للاحتفاء بتاريخ اليمامة ودورها في تشكيل الوعي الثقافي والإعلامي السعودي. كما أعجبتني تلك التغريدات التي صدرت عن عدد من الأساتذة والزملاء الإعلاميين وتناولوا من خلالها ما حققته “اليمامة” من نجاح عبر تاريخها، ومن ذلك مقولة المدير العام للمؤسسةالاستاذ خالد فهد العريفي: “يمامة الصيخان”.. بين مسؤولية وانتماء، عشق وطموح، يعيش “أبو حمد “بين جنباتها مستحضراً ذكريات رفاقه “جيل اليمامة” مؤمناً بأنه اليوم يحمل الأمانة بالنيابة عنهم جميعاً لمواصلة المسيرة. كما امتدح مدير التحرير الاستاذ خالد الربيش مجهودات الصيخان فقال مغرداً عن اليمامة: مدرسة تختزل تاريخ الصحافة السعودية.. حافظ عليها العريفي وواصل تألقها الصيخان. أما الدكتور فهد الحارثي والذي تولى رئاسة تحرير المجلة لأكثر من اثني عشر عاماً فكان من بين ما قاله: ما زلت أرى أن كثيراً مما تعلمته واكتسبته في تلك المرحلة يرافقني حتى اليوم في مسيرتي وتحولاتي، وسيظل حاضراً في الغد وما بعد الغد بإذن الله”.انتهى . لقد انطلقت مجلة اليمامة في زمن كانت فيه الكلمة المطبوعة هي المحرك الأساسي لتشكيل الوعي والمجتمع، واستطاعت عبر مسيرتها الطويلة الممتدة لثلاثة أرباع قرن أن تتحول إلى مدرسة صحفية متكاملة تخرجت منها قامات فكرية وأدبية وإعلامية بارزة قادت دفة الثقافة المحلية والعربية. ومع تحولها لاحقاً إلى مجلة أسبوعية سياسية وثقافية شاملة، نجحت المجلة في الحفاظ على مكانتها المرموقة، موازنةً باحترافية عالية بين تغطية القضايا السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية المعاصرة، وبين رعاية الإبداع الأدبي من قصة، وشعر، ومقالة رصينة، ونقد فكري هادف، مما جعلها شريكاً حقيقياً في صناعة الحراك الثقافي السعودي. وفي سماء هذه المجلة لمعت العديد من الأسماء التي تشرفت بالعمل مع بعضها ومنهم الأديب الكبير الشيخ عبدالله بن خميس، والمفكر القدير الأستاذ تركي بن عبدالله السديري (رحمهما الله)، الذي قاد تحريرها في مرحلة مفصلية من تاريخها وشهدت معه قفزات نوعية في التحقيقات السياسية والاجتماعية، هذا إلى جانب الأستاذ محمد الوعيل الذي رفد المجلة بخبرته الطويلة وأضفى عليها حيوية صحفية واكبت تطلعات القراء، وكذلك الدكتور عبدالله الجحلان، ووصولاً إلى ربان اليمامة الشاعر عبدالله الصيخان الذي أثرى صفحاتها بالإبداع الأدبي والنقدي الثقافي . كما تشرفت خلالها بصداقة الأستاذ الكاتب الرائع الأستاذ فهد العبد الكريم (رحمه الله) الذي قاد التحرير في مرحلة هامة شهدت خلالها المجلة نقلة تطويرية نوعية على مستوى الإخراج الفني والمحتوى الصحفي، ليتواكب مع العصر الرقمي وتطلعات الجيل الجديد. وفي هذا اليوبيل الماسي، يتجلى الأثر المستدام لمجلة اليمامة في قدرتها اليوم على مسايرة الزمن دون التخلي عن رصانتها وأصالتها؛ حيث تواصل تجديد أدواتها التشغيلية والتحريرية لتخاطب جيل المستقبل بذات الالتزام المهني والوطني الذي تشربته من جيل التأسيس.