رحلة إلى المستحيل
خلال زيارتي لمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي “إثراء” بالظهران، يوم السبت الموافق 06/06/2026م لفتت انتباهي عبارة تتكرر على جدران بعض الممرات تقول: “نسابق المستحيل”. توقفت عندها أكثر من مرة، ليس لأنها عبارة دعائية جميلة فحسب، بل لأنها تختصر فكرة أوسع من المكان نفسه. فالمستحيل في حياة الأمم ليس حاجزاً ثابتاً، بل حدٌّ مؤقت يتراجع كلما تقدمت المعرفة، واتسع الأفق، ووجد الطموح من يحوله إلى عمل. دخلت المكان وأنا أتوقع أن أرى معلماً ثقافياً مميزاً، لكنني خرجت بانطباع مختلف. فإثراء ليس مجرد مبنى جميل أو منشأة حديثة، بل مشروع معرفي متكامل يضع الإنسان في قلب الاهتمام. ففي مكتبته الواسعة يجد الزائر نفسه أمام ثروة من الكتب والمراجع التي تغطي مختلف مجالات المعرفة، فيدرك أن بناء العقول لا يقل أهمية عن بناء المدن. وما شد انتباهي أن المكتبة ليست مجرد مكان لحفظ الكتب أو عرضها، بل فضاء معرفي يدعو إلى القراءة والبحث والاكتشاف. وبين رفوفها شعرت أن الساعات تمضي أسرع مما ينبغي، فكل قسم يفتح باباً إلى عالم مختلف، وكل عنوان يدعو إلى عنوان آخر، حتى يدرك الزائر أن ما يحيط به من معرفة أكبر بكثير مما يتسع له الوقت في زيارة واحدة. ومن أكثر المحطات التي استوقفتني قسم الطاقة، حيث يأخذ الزائر في رحلة معرفية تبدأ من أعماق الأرض مع اكتشاف النفط واستخراجه، ثم تمر بمراحل التكرير والتصنيع، حتى تصل إلى المنتجات النهائية التي أصبحت جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية. وما يميز هذه الرحلة أنها تقدم المعلومة بأسلوب مبسط وتفاعلي يجعل المعرفة أقرب إلى الفهم وأبعد عن التعقيد. وأنا أتجول بين هذه المرافق، خطر ببالي أن المملكة التي ارتبط اسمها لعقود طويلة بالنفط، تقدم اليوم نموذجاً آخر للاستثمار في الإنسان والمعرفة والثقافة. فالنفط كان ولا يزال ركيزة مهمة من ركائز التنمية، لكن الأمم لا تبني مستقبلها بالموارد وحدها، بل بما تصنعه من وعي وما تغرسه من علم وما تفتحه من آفاق للأجيال القادمة. لهذا لم أجد في عبارة «نسابق المستحيل» مجرد شعار يزين الجدران، بل رأيت فيها وصفاً لمسيرة كاملة. فالكثير من الإنجازات الكبرى تبدأ بفكرة يراها البعض بعيدة المنال، ثم تتحول مع الإصرار والعمل إلى واقع يراه الجميع. ولعل أجمل ما في هذه الصروح الحضارية أنها لا تكتفي بعرض المعرفة، بل تدفع الزائر إلى التفكير في حدود ما يمكن تحقيقه عندما تتوافر الرؤية والإرادة. غادرت إثراء وأنا على يقين بأن بعض الأماكن لا تمنح زائرها متعة الوقت فحسب، بل تمنحه شيئاً أبقى من ذلك؛ تمنحه فكرة جديدة، وتفتح له نافذة أوسع على العالم، وتجعله يؤمن أن المستحيل ليس دائماً ما نعجز عن الوصول إليه، بل قد يكون أحياناً ما لم نحاول الوصول إليه بعد.