توطين المستقبل

بدأت بعض المؤسسات تواجه تحدياً مختلفاً عن ذلك الذي واجهته قبل سنوات، فمع توسع برامج التوطين ووصولها إلى مستويات أكثر نضجاً، أصبح عدد من المناصب القيادية ضمن الوظائف المستهدفة، وعند هذه النقطة ظهرت أسئلة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها من قبل. من سيشغل هذه المناصب؟ في بعض الحالات بدأ البحث عن كفاءات جاهزة في السوق تستطيع الانتقال مباشرة إلى الدور القيادي، وفي حالات أخرى اتجهت بعض الجهات إلى إسناد الوظيفة أو جزء من مسؤولياتها إلى مشغل خارجي. هذه الحلول قد تكون مناسبة في ظروف معينة، لكنها تثير سؤالاً أعمق: كيف وصلت المؤسسة إلى هذه المرحلة دون أن يكون لديها بديل جاهز من داخلها؟ المناصب القيادية لا تظهر فجأة، وشغورها لا يأتي دون مقدمات. المؤسسات تعرف هيكلها، وتعرف أعمار قياداتها، وتعرف الوظائف الحرجة التي يعتمد عليها استمرار العمل. لذلك فإن وجود بديل مؤهل لكل دور رئيسي يفترض أن يكون جزءاً من التخطيط الطبيعي للمستقبل وليس استجابة متأخرة لفراغ حدث بالفعل. وخلال السنوات الماضية تكررت عبارة “نقص المواهب” في كثير من النقاشات المهنية، ومع تكرارها ترسخ انطباع بأن المشكلة تكمن في السوق، وأن الكفاءات المطلوبة أصبحت نادرة، لكن نظرة أقرب إلى داخل المؤسسات تكشف جانباً آخر من الصورة، فالكثير من المنظمات تستثمر جهداً كبيراً في استقطاب الكفاءات، بينما يحصل بناء الكفاءات على مساحة أقل من الاهتمام، وعندما يحين وقت شغل منصب قيادي، تكون الأنظار متجهة إلى الخارج لأن أحداً لم ينظر إلى الداخل في وقت مبكر. ولهذا تبدو بعض الشكاوى المتعلقة بندرة المواهب أقرب إلى وصف للنتيجة منها إلى تشخيص للسبب؛ فالموهبة لا تولد في اللحظة التي يعلن فيها عن شاغر قيادي، وإنما تتشكل عبر سنوات من التجربة والتوجيه وتحمل المسؤولية والتدرج المهني. وهنا تبرز أهمية التعاقب الوظيفي، وهو مفهوم يُختزل أحياناً في قوائم وأسماء وتقارير دورية، بينما يعبر في جوهره عن قدرة المؤسسة على إنتاج قادتها؛ فعندما يغادر قائد موقعه، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن سيحل مكانه اليوم؟ وإنما بمن كانت المؤسسة تهيئه لهذا الدور طوال السنوات الماضية؟ كما أن أثر التعاقب الوظيفي يتجاوز استمرارية الأعمال. فالموظفون يراقبون المسارات المهنية داخل مؤسساتهم بدقة أكبر مما نظن. وعندما يشاهدون زملاءهم يتدرجون من الأدوار التشغيلية إلى المواقع القيادية، تتشكل لديهم قناعة بأن الاجتهاد والتطور يفتحان أبواباً جديدة. أما عندما تأتي معظم القيادات من الخارج، فإن الرسالة التي تصل إليهم مختلفة، حتى وإن لم تكن مقصودة. لهذا السبب تحمل الترقيات الداخلية قيمة تتجاوز قرار شغل وظيفة، فهي تعكس إيمان المؤسسة بأفرادها، وتقدم دليلاً عملياً على جودة برامج التطوير التي تتبناها، وكل قائد نشأ داخل المؤسسة يمثل قصة نجاح لها بقدر ما يمثل نجاحاً شخصياً له. لقد قطع ملف التوطين شوطاً كبيراً خلال السنوات الماضية، وأصبح حضور الكفاءات الوطنية جزءاً طبيعياً من المشهد المهني. واليوم تقف المؤسسات أمام اختبار مختلف؛ اختبار لا يتعلق بمن يشغل المقعد، وإنما بمن يستعد لشغله في المستقبل؛ فالمؤسسة التي ترى في التطوير استثماراً طويل الأمد، تبني صفوفاً متعاقبة من القيادات وتمنح موظفيها مساراً واضحاً للنمو. أما المؤسسة التي تؤجل هذا الاستثمار، فتجد نفسها كلما شغر منصب مهم أمام السؤال ذاته: من أين نأتي بالبديل؟ لهذا فإن الحديث عن التوطين لم يعد يدور حول عدد الوظائف التي تم شغلها، أو متابعة المؤشرات ولون النطاق، لكنه حول قدرة المؤسسات على إنتاج الخبرة والقيادة من داخلها، فكل موظف يتدرج نحو دور أكبر يضيف إلى نجاحه الشخصي دليلاً جديداً على نجاح المؤسسة نفسها. وربما يكون السؤال الأهم في هذه المرحلة: هل نجحنا في توطين الوظائف فقط، أم أننا بدأنا فعلاً في توطين المستقبل؟