مختارات من مراسلات الشيخ حمد الجاسر العلمية.

عناية وتعليق: د .عبد الرحمن الشبيلي مراجعة و تقديم: د .عبدالعزيز الخراشي كتاب مهم ينقل قارئه إلى عالم الشيخ حمد الجاسر، العالم الثري بالأصالة العلمية وبالمخطوطات والتحقيق، وما يلزم إنجاز هذه الأعمال من جهد ودقة وخبرة لا تتأتى إلا للنوادر من أمثال الشيخ الجاسر،  ولكنها أيضا تنقل قارئها إلى أسلوب رفيع من المراسلات التي تتمحور حول الموضوعات التي استأثرت باهتمام الشيخ ، وتتحلى بقدر جميل من الود الذي يفيض به قلب الشيخ نحو زملائه وأحبابه ومريده ، وقد جاء الكتاب في ثلاثة أبواب، بابه الأول يضم مختارات من مراسلاته بين عامى ١٩٦٧م و ١٩٧٠ م، وهي الفترة التي قضاها في بيروت ، والباب الثاني ضم مختارات من المراسلات بين عامى ١٤١٣ و ١٤١٥ هجرية ، وهذا الباب  تميز بتعليقات الدكتور عبدالرحمن الشبيلي و تعريفاته لبعض الأشخاص ممن راسلهم الشيخ، أما الباب الثالث فيتضمن مختارات من رسائل الشيخ العلمية من عام ١٤١٦ حتى وفاته، وهو الجزء الذي ارتحل الدكتور الشبيلى إلى الرفيق الأعلى قبل إتمام تحقيقه، رحم الله الشيخين رحمة واسعة.  يستوقف القارئ سعة دائرة علاقات الشيخ بمن لهم جهود في جمع المخطوطات وتحقيقها ، وكثرة من يتوجهون إليه بالاستيضاح عن أماكن وجود المخطوطات، وصحة نسبتها إلى أصحابها، وتصويبات الشيخ على ما نُشر وحُقق منها. وهناك مراسلات تتعلق بعضويته في مجامع اللغة العربية في القاهرة ودمشق و بغداد، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن. كما كان يتلقى رسائل من اشخاص يستوضحون عن أنسابهم أو عن بعض الأماكن الجغرافية ، أو عن صحة بعض الأحداث التاريخية ، وهناك أكثر من رسالة عن أنساب الخيل الأصيلة والكتب التى تحدثت عنها. وكثيرا ما يرسل برفقة رسائله مجموعات من مجلة العرب، أو من منشورات دار اليمامة ، وأحيانا مصورات عن المخطوطات التى يقتنيها، وفي أحيان أخرى يرسل المخطوط الأصلي وينص على أنه عارية مستردة، ومعظم هذه كانت إهداء ، ولكن ورد في بعض رسائله القول : إن مثلك خليق باشتراك مجاني ولكن إذا كنت قادرا فالاشتراك كذا وكذا ومثل هذه العبارة تكررت في موضع آخر طلب أحدهم كل مجلدات مجلة العرب كاملة منذ بداية صدورها . كما تتضمن بعض رسائله طلبا لمعلومات وردت في صفحات لم تصله من بعض المخطوطات.      رسائله هذه توجهت إلى عدد كبير ممن يشاركه الاهتمامات أو من المؤثرين، مثل أمناء المكتبات الكبرى، دار الكتب المصرية، ومكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت، ومعهد الدراسات الإسلامية في بغداد، ومكتبة جامعة بغداد، ولا يتوقف تواصله مع المكتبات على ما ذكرنا فإنه في بعض الرسائل يذكر عن مخطوطات موجودة في المكتبات الشهيرة أو صادرة عن المجامع العلمية مثل :  مكتبة الإسكوريال ، ومكتبة المتحف البريطاني ، وإدارة التأليف والنشر في اليمن ، وجمعية التاريخ والآثار بجامعة الرياض، والخزانة الملكية في الرباط، ومكتبة الجامعة الأردنية ، والجمعية الجغرافية السعودية، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، والمجمع العلمي العراقي، مجمع اللغة العربية بدمشق ، والمكتبة العباسية في البصرة، و”الموسوعة الإسلامية الكبرى” التي تصدر في طهران، ومكتبة الإمام الرضا في مشهد ، ومكتبة راغب باشا ومكتبة لالالي  في اسطنبول، والمعهد الألماني في بيروت.       يتحدث في بعض الرسائل عن نفسه ، كتب مرة أنه واثق من أن كل ما يكتبه بحاجة إلى تصحيح ونقد ، ويسره ذلك لأنه لا يقصد فيما يكتبه إلا بيان الحقيقة مجردة عن كل غاية ، ويستدل بالآية (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، ويتابع و لم يبلغ بي الغرور ألا أقبل النقد ما دام يراد به إيضاح الحقائق، بل ارتاح إليه وأفرح به أكثر مما أفرح عندما أتلقى ثناء أو تقريظا. وفي موضع ثان من الرسالة يقول - بكل تواضع- أن معرفته بمدينة حائل وما جاورها لا تعدو مرورا سريعا ، وهو يدرك أن الكاتب إذا لم يكن من أهل البلد نفسها أو ممن أقام بها مدة طويلة، لا يتسنى له أن يأتى بأشياء كاملة الصحة عنها ، وهكذا أنا. ويتكرر هذا التواضع في مواضع أخرى ، فهو يشكر من رشحه لجائزة كبرى ويعتذر عن مثل هذا الترشيح ، ويقول أن الدولة السعودية كفته كل ما يحتاج إليه من عناية وتقدير. كما أنه يرجو من أحد مراسليه ألا يذكر اسمه مقرونا بلقب علامة الجزيرة مرة أخرى ، ومن باب التأدب يكتب أحيانا أنه لم يبدأ بألقاب مثل (صاحب السعادة، صاحب المعالي)، فإن الأخوة التي وضعها الإسلام فوق ذلك كله، وأن هذه الألقاب لا تفي المخاطَب حقه.  يحيل الشيخ في ردوده على الرسالة التى وصلته إلى تاريخ الرسالة ويذكر أنها غير مؤرخة إن كانت كذلك، كما يحدث من ذكروا التاريخ الإفرنجي على كتابة التاريخ العربي والاحتفاء به حرصا على شخصية الأمة المسلمة. ولا يُعلى على اهتمامه باللغة العربية، نجده يرسل تهنئة إلى مدير جامعة أم القرى ويصف سعادته بأنها ستضم  كليةً للطب، ويوصي بأن تكون هذه الكلية التي ستقوم في مكة رائدةً في تعليم الطب باللغة العربية أسوة بكلية الطب في دمشق، ويسوق من الحجج ما يؤيد نصيحته ويشير إلى كتاب الدكتور زهير السباعي عن تجربة تعليم الطب باللغة العربية.  كذلك يراسل الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة والشيخ فاهم القاسمي، ذكر لهما أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة يقوم بوضع معجم جغرافي دعاه المعجم الكبير ، أراد منه أن يكون شاملا لمحركات اللغة العربية ومُغنيا عن غيره مما أٌلف في موضوعه، وعندما وصلوا إلى حرف الخاء ذكروا أن مدينة خَتٌ تقع في عُمان ولكن سفير عُمان في الرياض قال إنها تقع في الشارقة، وهو يأمل أن يتأكد من ذلك بتحديد موقع البلد إن وجدت ووصفها وصفا مفيدا.  وفي رسالة إلى عمر السقاف وزير الدولة السعودية للشؤون الخارجية طلب أن يسهل له التواصل مع الحكومة التركية ليأذنوا له بزيارة بعض أركان الأرشيف العثماني التي لا يتاح الاطلاع عليها إلا بطلب رسمي ، أما في رسالته الى الشيخ أحمد زكي يماني رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي: فيلفت نظره فيها إلى كتاب مهم جدا يتعلق ببلده الطاهرة، هو خير ما ألفه الغربيون الذين تمكنوا من زيارتها ، كتاب المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه ، ويشرح باختصار مضمون الكتاب ، ويأخذ على بعض ما تُرجم من أجزائه بأن الترجمة لم تكن عن اللغة الأصلية للكتاب وهي اللغة الألمانية.  وفي اجابته لأحد السائلين عن اللهجات المحلية يقول: إننى من المعنيين بدراسة اللهجات القديمة والحديثة أي المتعلقة بالفصحى والواردة فى العامية، وأنا من أعضاء مجمع اللغة العربية في القاهرة و في لجنته ( لجنة اللهجات) ومن أهدافها التقريب بين العامية والفصحى لإزالة الهوة بينهما باستعمال اللهجات المحلية التي تتفق مع الفصحى، واللهجة العامية ليست مرفوضةً دائما، فهناك بعض اللهجات قل أن يوجد بينها ما لا يتفق مع الفصحى كما هو الحال في لهجة سكان جنوب الجزيرة العربية في اليمن و في سروات الحجاز وفي وسط نجد، ولكن بعض الأقطار الأخرى التي اختلط سكانها بالأعاجم من فرس وأتراك أو يونان أو إسبان أو فرنسيين وغيرهم ، دخل في لهجتهم كثير من الكلمات التى لا ينبغي أن تُعد عربية إذ بهذا تتغير الفصحى ويدخلها الفساد.   وفي رسالة تتعلق بالبحرين ، يقول إن الاسم يشمل (الأحساء والقطيف وجزيرة أوال المعروفة باسم البحرين، وتمتد المنطقة التي يشملها هذا الاسم من بلاد عمان جنوبا حتى قرب البصرة، يدخل فيها الكويت والمنطقة الشرقية كلها وقطر والإمارات حتى عُمان). وفي إجابةٍ عن الدمام : ذكر أن غالب المساكن في الخبر والدمام كان عبارة عن (برستيات) ومفردها (برستي)، ولعل الكلمة فارسية ، وهو كوخ مقامة جوانبه على ألواح من حجر البحر، عريضة مستطيلة، وقد يوجد داخلها أعمدة من خشب مسقفة بالجريد. والحديث هنا عن المدينتين عام ١٣٦٣ للهجرة ، ويتابع أن تلك المساكن البسيطة هي التي تناسب طبيعة السكان، إذ كانوا قد اعتادوا التنقل في البحر للغوص لاستخراج اللؤلؤ وصيد السمك، وكان استقرارهم فيها محدودا في أوقات الصيف، ولكن حين وقع الخلاف بين الدواسر وبين حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي، طلبوا من الإمام عبدالعزيز أن يسمح لهم بالاستقرار، فسمح لهم ، فسكن طائفة منهم الخبر وطائفة أخرى الدمام.  وفي رسالة أخرى إلى الأديب الأردني روكس العزيزي يوضح ما حدث فيه لبس عند القول بانقطاع  نسل خالد بن الوليد رضى الله عنه، فإن لخالد ثلاثة أبناء هم عبدالرحمن والمهاجر وعبدالله ، وللمهاجر ابن اسمه خالد، وهو شاعر مُجيد ، ذكره مصعب الزبيري في نسب قريش، وعقب على ذلك قائلا: (انقرض ولد خالد ، فلم يبق منهم أحد )، أي أن انقطاع نسل خالد ابتدأ من أحفاده لا من أبنائه. وفي عدد من الرسائل تبادلها مع الشريف علي عبدالكريم الفضيل، أثنى على مؤلفه القيم “الأغصان لمشجرات عدنان وقحطان”، وخاصة ما بذل جهدا فيه من إضافة مشجرات آل البيت النبوى الشريف، ويذكر أنه اتصل بدائرة المطبوعات في الرياض بشأن السماح بتسويق الكتاب، وفي رسالة أخرى يذكر أن الملاحظات التى أُبديت على هذا الكتاب أقل من أن يُعتنى بها وليست جديرة بالاهتمام.  يظهر في الكتاب صفات العالم الموسوعي الذي كانه الشيخ الجاسر رحمه الله تعالى وأجزل له الثواب.