اليمامة.. بين درجة الصفر والصفحة البيضاء: في تاريخ المؤسسات الثقافية لحظات تأسيسية يصعب ردّها إلى الوقائع وحدها. لحظات تتجاوز تاريخ الصدور الأول، لتتصل بالأسئلة التي كانت تدور في أذهان أصحاب المشروع وهم يضعون خطواتهم الأولى، وبالصورة التي تخيلوها للقارئ الذي سيلتقي بهذه التجربة للمرة الأولى. وأنا أستعيد مسيرة مجلة اليمامة بعد خمسة وسبعين عاماً من صدورها، حضرت إلى ذهني مصادفة فكرية طريفة. فقد استوقفني الرقم «صفر» الذي ارتبط بالبدايات الأولى للمجلة، فاستدعى في الذاكرة كتاب رولان بارت الشهير «الكتابة في درجة الصفر». ولم يكن الرابط بين الأمرين تاريخياً أو مباشراً، وإنما تأملاً في معنى البداية نفسها. فبارت كان منشغلاً بالسؤال عن اللحظة التي تبدأ فيها الكتابة من أسئلتها الأولى، قبل أن تستقر أشكالها وتتحدد مساراتها وتكتسب تقاليدها الخاصة. وكان يقصد بالدرجة الصفرية تلك اللحظة التأسيسية التي تبدأ فيها التجربة من سؤالها الأول، قبل أن تتراكم حولها الأشكال الراسخة والتقاليد المستقرة. وتبدو البدايات الثقافية، في كثير من الأحيان، أقرب إلى هذه الحالة. إذ لا يكون المشروع قد اكتمل بعد، ولا تكون ملامحه قد توضحت تماماً. هناك فكرة تبحث عن لغتها، وصوت يحاول العثور على نبرته، ومجال جديد يتشكل بهدوء داخل الحياة العامة. ومن هذه الزاوية أمكن النظر إلى السنوات الأولى لليمامة زمناً للتأسيس الثقافي، ومرحلة كانت فيها المجلة تختبر إمكاناتها وأسئلتها ومجالها الحيوي. وفي الكتاب نفسه يتوقف بارت عند مفهوم آخر هو «الكتابة البيضاء»، حيث تصبح الصفحة فضاءً مفتوحاً لاحتمالات متعددة من القراءة والتأويل. ويقود هذا المفهوم إلى الطرف الآخر من المعادلة؛ فكل كتابة تفترض قارئاً ما، وكل مشروع ثقافي يحمل في داخله صورة متخيلة لمن سيستقبله. وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال التأسيس: من كان القارئ الذي كانت اليمامة تتوجه إليه في خمسينيات القرن الماضي؟ وما طبيعة المعرفة التي كانت تسعى إلى ترسيخها في وعيه؟ وتزداد أهمية هذا السؤال إذا تذكرنا أن اليمامة عاشت أكثر من صيغة خلال مسيرتها؛ فانتقلت بين المجلة والصحيفة قبل أن تستقر في صورتها المعروفة. ولا يبدو هذا التحول مجرد تبدل في الشكل الطباعي، إذ يكشف عن بحث متواصل عن الوسيط الأقدر على التعبير عن رسالتها الثقافية. فالصحيفة ترتبط بإيقاع الحدث اليومي، فيما تتيح المجلة مساحة أوسع للتأمل والقراءة المتأنية وملاحقة التحولات الفكرية والثقافية التي لا تقاس بسرعة الخبر. ومن هنا يمكن قراءة تاريخ اليمامة جزءاً من تاريخ تشكل الوعي الثقافي السعودي نفسه. فالمجلة لم تظهر في فراغ، ولم تتوجه إلى قارئ جاهز بصورة كاملة، فهي بحق شاركت في تكوين هذا القارئ وأسهمت في بناء علاقة متنامية بين المجتمع والقراءة والثقافة. ولذلك تبدو العودة إلى بداياتها مناسبة للتأمل في مشروع ثقافي امتد خمسة وسبعين عاماً، وظل محتفظاً بسؤاله الأول: كيف يمكن للكلمة أن تجد قارئها؟ وكيف يمكن للقارئ أن يجد نفسه في الكلمة؟ صناعة القارئ وبناء المجال الثقافي: صدر العدد الأول من مجلة اليمامة في ذي الحجة سنة ١٣٧٢هـ الموافق لأغسطس ١٩٥٣م، في وقت كانت فيه الإمكانات الطباعية محدودة، وكانت الصحافة في المنطقة الوسطى تجربة حديثة تبحث عن موطئ قدم لها في الحياة العامة. وقد استمرت المجلة عامين قبل أن تتحول لاحقاً إلى صحيفة أسبوعية عام ١٩٥٥م، لتصبح الصحيفة الوحيدة في الرياض والمنطقة الوسطى لعدة سنوات. ومن يقرأ ما كتبه الشيخ حمد الجاسر آنذاك يلمس وعياً مبكراً بطبيعة المهمة التي تنتظره، إذ يقول حينذاك: «إن نظرة القراء في هذه المدينة إلى الصحافة بطيئة التغير، ولا بد من أن يقدم لهم في أول صحيفة يفتحون أعينهم عليها في بلادهم ما يستهوي ميولهم، ويوجد الرغبة في نفوسهم لكيلا يحدث لهم من نفور يصرفهم عنها». في هذه العبارة تتجلى رؤية ثقافية واضحة؛ فالجاسر كان يدرك أن نجاح الصحافة يرتبط بتكوين قارئ قادر على استقبالها والتفاعل مع رسالتها. ولهذا جاءت اليمامة منذ أعدادها الأولى حريصة على بناء الثقة مع المجتمع، ومهتمة بتوسيع دائرة المعرفة والحوار، ومراعية لطبيعة المرحلة التي كانت تمر بها البلاد. ومن هنا اكتسبت اليمامة مكانتها مشروعاً ثقافياً تجاوز حدود النشر الدوري. فقد احتفت بالأدب والتاريخ واللغة، واهتمت بالتعليم والصحة والشأن الاجتماعي، وفتحت صفحاتها للكتّاب الشباب، وأسهمت في تقديم أسماء أصبحت لاحقاً جزءاً من المشهد الثقافي السعودي. وعند التأمل في مضمون اليمامة خلال سنواتها الأولى، يبدو واضحاً أنها كانت تحاول رسم صورة للمجتمع الذي تتطلع إليه. فقد جمعت بين الأدب والتاريخ واللغة، واهتمت بالتعليم والتربية والصحة، وخصصت صفحات للأخبار الثقافية، كما أتاحت مساحة واسعة للكتّاب الشباب في مجالات القصة والشعر والمقالة. وقد أصبحت أسماء كثيرة نشرت في صفحاتها الأولى لاحقاً من الأسماء المعروفة في الحياة الثقافية السعودية. ومن هنا لا تبدو اليمامة مجرد وعاء للنشر، وإنما فضاء لاكتشاف الأصوات الجديدة، ومنصة ساهمت في تكوين أجيال من الكتّاب والقراء. كما يلفت النظر اهتمامها المبكر بالوعي الصحي والتربوي واستحداثها أبواباً لم تكن مألوفة في الصحافة السعودية آنذاك، وهو ما يعكس فهماً واسعاً لوظيفة الثقافة ودورها في التنمية الاجتماعية والمعرفية. ويكشف تاريخ المجلة جانباً آخر من شخصية مؤسسها. فقد كان حمد الجاسر مؤمناً بأهمية اتساع المجال الثقافي وتعدد منابره. وعندما صدرت مطبوعات أخرى في تلك المرحلة، ومن بينها صحيفة «القصيم»، لم ينظر إليها منافساً جديداً، وإنما إضافة للحياة الثقافية الناشئة. وقد أسهم هذا الوعي في ترسيخ تقاليد صحفية وثقافية امتدت آثارها إلى عقود لاحقة. ومن الجوانب التي تستحق التوقف أن الجاسر كان حريصاً على أن تبقى اليمامة منبراً عاماً للمثقفين والكتّاب من مختلف مناطق المملكة. وقد أشار الدكتور عبد العزيز بن سلمه في كتابه «اليمامة وكتّابها» إلى أن الجاسر لم يجعل من المجلة وسيلة لتلميع صورته أو فرض نوع من الأستاذية على الآخرين، بل فتح صفحاتها لمئات الكتّاب، محافظاً على حضور المؤسسة الثقافية أكثر من حضور الفرد. وربما يفسر هذا جانباً من قدرة اليمامة على الاستمرار والتجدد عبر الأجيال؛ فالأفكار التي تُبنى حول خدمة المجتمع والمعرفة تملك فرصة أطول للبقاء من المشروعات المرتبطة بالأشخاص وحدهم. وخلال العقود اللاحقة تحولت اليمامة إلى جزء من الذاكرة الثقافية السعودية. فقد واكبت تحولات المجتمع، وسجلت كثيراً من ملامح تطوره الثقافي والتعليمي والإعلامي. وتعاقبت عليها أجيال من الصحفيين والكتّاب الذين أضاف كل منهم شيئاً من خبرته ورؤيته، فحافظت المجلة على حضورها وهويتها في الوقت نفسه. كما تعاقبت عليها أسماء صحفية وثقافية بارزة، أسهم كل منها في تطويرها وإثراء تجربتها؛ من محمد الشدي وسعد الحميدين إلى محمد العجيان وفهد العرابي الحارثي وغيرهم من الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الصحافة السعودية. واستطاعت المجلة عبر هذه المراحل المتعاقبة أن تواكب التحولات التي شهدها المجتمع السعودي والحياة الثقافية فيه، وأن تحتفظ بخيطها الثقافي الممتد رغم اختلاف الأجيال وتبدل الظروف. من حمد الجاسر إلى عبد الله الصيخان: في هذا السياق تكتسب شهادة الشاعر والإعلامي عبد الله الصيخان أهمية خاصة؛ لأنها تنظر إلى اليمامة من داخل تجربتها الممتدة. ففي حديثه عن المجلة بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاماً على تأسيسها، استعاد صورة الشيخ حمد الجاسر وصاحب المشروع الثقافي الذي أدرك مبكراً حاجة الرياض إلى مطبوعة تمنح الثقافة موقعها في الحياة العامة. كما توقف عند التحديات التي رافقت مرحلة التأسيس والجهود التي بُذلت لتجاوزها، وهي جهود ساعدت على ترسيخ حضور اليمامة في المشهد الثقافي السعودي. وتزداد أهمية هذه الشهادة حين تقترن بالتجربة التي يقودها الصيخان منذ توليه الإشراف على تحرير المجلة عام ٢٠١٩. فقد جاءت هذه المرحلة متزامنة مع الحراك الثقافي والفني الذي تشهده المملكة في ظل رؤية ٢٠٣٠، وهو ما انعكس على محتوى المجلة واتجاهاتها. فشهدت صفحاتها حضوراً أوسع للسينما والمسرح والفنون البصرية والحرف التقليدية والأدب بمختلف أشكاله، إلى جانب اهتمام متزايد بالتحولات الثقافية الجديدة التي تشهدها المملكة. ومن يتابع هذه التجربة، يلاحظ أن العودة إلى الثقافة يعتبر امتداداً طبيعياً للروح التي تأسست عليها اليمامة منذ بداياتها الأولى. ولهذا بدت المجلة وكأنها تستعيد جانباً من سيرتها المبكرة، مستفيدة في الوقت نفسه من أدوات النشر الحديثة والتحولات الرقمية التي أصبحت جزءاً من المشهد الإعلامي المعاصر. كما شهدت المجلة تطويراً في حضورها الإلكتروني، وتوسيعاً لدائرة قرائها، وإطلاق ملفات ثقافية متخصصة أسهمت في تعزيز صلتها بالمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي. خمسة وسبعون عاماً من الأثر الثقافي: عندما نحتفي اليوم بخمسة وسبعين عاماً من عمر اليمامة، فإننا نستعيد رحلة طويلة من العمل الثقافي المتصل. رحلة بدأت بفكرة آمن بها حمد الجاسر في زمن كانت الصحافة تبحث فيه عن قارئها، واستمرت عبر أجيال متعاقبة من الكتّاب والمحررين والقراء، وما تزال تتجدد في الحاضر مع التحولات التي تشهدها المملكة. وبعد خمسة وسبعين عاماً، تبدو اليمامة جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية السعودية. فقد رافقت تحولات المجتمع، وأسهمت في تكوين أجيال من القراء والكتّاب، وحافظت على حضورها عبر مراحل متعاقبة من التطور. ومنذ الحلم الذي بدأ به حمد الجاسر مشروعه الثقافي الأول، وحتى الجهود التي يواصلها فريق العمل اليوم؛ وعلى رأسه منصور بن سلطان وخالد العريفي وعبد الله الصيخان وعبد العزيز الخزام، ظلت اليمامة وفية لفكرتها الأساسية: أن الثقافة فعل بناء مستمر، وأن الكلمة قادرة على أن تصنع أثرها العميق في حياة المجتمع. ولهذا تجاوزت حدود النشر الدوري، لتغدو علامة ثقافية سعودية، وشاهداً على تحولات المجتمع، وذاكرة مفتوحة لتجارب أجيال متتابعة من المثقفين والكتّاب والقراء.