في حوار طويل مع محمد رضا نصر الله..
حمد الجاسر: رأي أبي أني لا أصلح للفلاحة لضعف بنيتي فوجهني للكتَّاب.
بعض الأسماء ترتبط بأمكنتها، في تأريخ الروايات والأشعار وبعض الأعمال الثقافية يرتبط ذكر بعض الأسماء بالأمكنة التي أنجبتها، في روسيا القيصرية -مثلاً- حينما نقرأ دستفوسكي في روائعه الروائية لا بد وأن نتذكر تلك البلاد القَصِيَّة، وحينما نقرأ نجيب محفوظ لا بد وأن نتذكّر البنيان الثقافي والاجتماعي والسياسي في قاهرة الخمسينات والستينات ما بعد ذلك وما قبله، وفي تونس فإن شاعرية الشابِّي تشير لتلك البلاد الخضراء، وفي المملكة العربية السعودية حينما يرد ذكر اسم الشيخ حمد الجاسر فإن المرء لا بد وأن يتذكّر التاريخ الثقافي المعاصر لهذه البلاد، فقد نشأ الشيخ حمد الجاسر قبل ثمانين عاماً ليبرز علَّامة مشعة في قضايا الفكر واللغة والأدب ومعرفة المواقع الجغرافية في جزيرة العرب. هنا تفاصيل الحوار الذي بث في برنامج هذا هو مع الأستاذ محمد رضا نصرالله في العام الميلادي ١٩٩٤. محمد رضا نصر الله: أبي وسيدي الشيخ حمد الجاسر، قبل أكثر من ثمانين عاماً ولدت في قرية نائية، هي قرية البرود من إقليم السر جنوب القصيم في المملكة العربية السعودية، وقتها وبعد سنوات قد بلغت ست أو خمس مات أبوك وماتت أمك، وكان جدك إماماً للقرية، هذا الجد احتضنك وعلَّمك قراءة القرآن الكريم، هل بالإمكان -يا أبي- أن تحدِّد لنا صورة عن الحياة الاجتماعية والثقافية في تلك القرية النائية قبل ثمانين عاماً؟ حمد الجاسر: من المعروف أن حياة القرى في وسط الجزيرة تتشابه في أكثر مظاهرها، حقّاً أنا ولدت في قرية صغيرة تُدعى البُرود في ذلك الإقليم المعروف بالسر منذ القدم، يمتهن كل سكانها مهنة الفلاحة، التي من المعروف أنها تجتذب كلَّ من يعنى بها من رجال وشباب وأطفال إلى التساعد والتعاون، حتى النساء كنّ يشاركن بعولتهن في علم الفلاحة، من هنا يكون الاتجاه في الغالب هو للبحث عن المعيشة في وسيلة الفلاحة، ولذا فالاتجاه إلى النواحي الثقافية والتعليمية بين هذه الطبقة إن لم يكن معدوماً فهو محدود، ولعل أبرز ما يُعنى به أهل القرى في ذلك العصر هو ما يتعلَّق بإقامة الشعائر الدينية على الوجه التام، من هنا تجد أهل القرية يختارون هؤلاء من مدينة؛ لأنه قلّ أن يوجد في قرية من القرى من يبلغ المرتبة التي يمكن أن يستفاد منها في التوجيه، لذلك يستعين أهل القرى عندما يحتاجون إلى من يوجّههم في أمور دينهم يقيم لهم الصلوات ويقرأ لهم القرآن، ويكتب لهم المكاتبات، وما يجري بينهم من عقود التداين أو عقود بيع وشراء أو التملك، فيضطرون إلى أن يذهبوا إلى إحدى المدن القريبة منهم ويختاروا إنساناً يتولَّى هذه الأمور. محمد رضا نصر الله: إذن كيف أصبح جدُّك إماماً للقرية؟ حمد الجاسر: جدي -رحمه الله- كان قد حفظ القرآن عن ظهر قلب، وهو يُحسن الكتابة إحساناً جيداً بالنسبة إلى ذلك العهد، وكان -رحمه الله- على درجة من العفاف والزهد والقناعة، ممَّا أكسبه محبَّة أهل هذه القرية، فرغبوا في أن يبقى عندهم، فبقي عندهم طول حياته، بل حتى أبناؤه استقروا عندهم، فتولَّى إمامة المسجد والخطبة يوم الجمعة. هذا الجد هو الذي وجَّهني بعض التوجيه ولا أقول التوجيه كله؛ لأن أبي -رحمه الله- كان قد أدخلني في الكُتَّاب، وكنت قد تعلّمت القرآن وحفظته في سن متقدّمة جدّاً بالنسبة إلى أطفال القرية في ذلك العهد، كما تعلَّمت مبادئ القراءة والكتابة. ولعل أبي عندما شاهد ضعفي الجسماني، وأنني لا أستطيع أن أساعده في شؤون فلاحته أراد أن يوجَّهني وجهة لعلّها تُفيدني، وهكذا كان. فأبي -رحمه الله- كان له فضل في هذا. أما تأثير جدي في حياتي فكان بعد ذلك حينما بلغت من العمر ما يمكنني أن أساعده في قراءة ما يحتاج قراءته؛ لأنه في آخر حياته ضعف نظره، فهو يحتاج من يقرأ عليه خطبة الجمعة لكي يؤدّيها، وفي بعض المرات كنت أنا أتولَّى الخطابة في المسجد، وقد أنوب عن جدي في بعض ما يتطلّب أهل القرية القيام به ككتابة الوثائق وغيرها. محمد رضا نصر الله: إذن كدت أن تصبح فلاحاً لولا علّة في بنيتك الجسمية، فلذلك أخذك أخوك الأكبر إلى الرياض لإكمال الدراسة. حمد الجاسر: أولاً يا سيدي الكريم، أنا كعادة أطفال القرية لا يتلقّون الرعاية الصحية، فيصبح الطفل منذ أن يولد حتى يجتاز مرحلة الطفولة وهو مهدّد بشتى الأمراض، وأنا منذ أن ولدت كنت مصاباً ببعض الأمراض، حيث إنني لم أستطع المشي على قدمي إلَّا في السنة الرابعة، وقد انتابتني أمراض دفعت والديَّ إلى أن ييأسا ويأمرا بحفر قبر لي، فحفرت لي ثلاثة قبور أو أربعة، ولكن الله سبحانه وتعالى قدَّر لي أن أحيا، من هنا أصبحت عليلاً لا أستطيع أن أشارك أبي في فلاحته، فرأى من الخير أن يكلني إلى من يُعلّمني القراءة والكتابة في المدرسة كما يسمّونها، وهي عبارة عن كُتَّاب صغير، ثم لم يكتفِ بذلك، بل كانت رحلتي الأولى إلى الرياض سنة 1340هـ، وكانت هي من أولى الرحلات التي استزدت فيها شيئاً من العلم، فقرأت وحفظت قسماً من القرآن الكريم عن ظهر قلب، كما أنني حفظت بعض المتون الصغيرة التي كان من المقرّر أن تدرّس للمبتدئين في طلب العلم، هذا في الرحلة الأولى. محمد رضا نصر الله: من كان أساتذتك الذين علَّموك وأنت تعيش في الرياض؟ حمد الجاسر: في المرحلة الأولى كان لأبي قريبٌ من حيث الخؤولة من أسرة تُدعى أسرة آل فايز، وهي أسرة بلدتهم الفرعة في الوشم، وهم ينتمون إلى القرية التميمية، وهم مشهورون ومعروفون، فمنهم طالب علم يُدعى عبد العزيز بن فايز، وجدتي من قبل الأم من آل فايز هؤلاء، فكان هو الذي وجَّهني في أول الأمر، فبدأت أحفظ هذه المتون. أما فيما بعد فقد درست على مشاهير علماء الرياض، فدرست على الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، قاضي مدينة الرياض لأبناء البادية، درست عليه في كتاب التوحيد، وذلك في سنة 1346و 1347 هجرية، كما أنني درست على الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ قاضي مدينة الرياض للحضر، وكان يجلس في مسجده، وهو مسجد معروف في الرياض يسمّونه مسجد الشيخ صالح، قرأت عليه رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ولغيره، وقرأت على الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله، الأجرومية في النحو، والرحبية في الفرائض، وكتاب التوحيد. وتكوَّنت لديَّ حصيلة لا بأس بها من مبادئ العلوم، حتى ذهبت إلى مكة حاجّاً من بلدتي، اشتريت لي رحالة وذهبت مع حجاج أهل القرية عام 1348هـ، وكنا أربعة لم يحجوا من أهل القرية لأن سكانها قليلون، وبعد أن وصلت مكة أقمت هناك وضُممت إلى طلاب أُحضروا للدخول في معهد أنشأته الحكومة للدراسة، حتى أكملت الدراسة فيه متخصّصاً في القضاء الشرعي؛ لأن فيه أقساماً للتخصص ويوجّه الطالب إلى أحد النواحي التي كان يُحتاج إليها في ذلك العهد، كمعلمين في المدارس، وقضاة، ومرشدين، فكان اتجاهي قسم القضاء فتخصّصت فيه، ولكنني بعد أن تخرجت من القضاء لم أرغب إلَّا في وظيفة التعليم. محمد رضا نصر الله: شيخ حمد، في مكة المكرمة حينما ذهبت بقصد الدراسة في المعهد العلمي السعودي، هل نستطيع أن نتعرف إلى كيفية اتصالك بالثقافة الحديثة؟ نحن نعلم المعهد العلمي كان يدرّس العلوم الشرعية واللغة وهكذا تأهّلت، ولكنك هناك اتّصلت بالنُّخبة المثقَّفة في المنطقة، وتعرّفت إلى الأستاذ محمد حسن عواد وعبد القدوس الأنصاري، هل نستطيع أن نقول: إن اتصالك بالنخبة الثقافية في الحجاز هو الذي قاد الشيخ حمد الجاسر إلى الاطّلاع على الثقافية الأدبية الحديثة؟ حمد الجاسر: مكة المكرمة -شرَّفها الله- هي بلدة مفتوحة لكل أبناء المسلمين من أنحاء العالم، ولهذا تجد الحياة الثقافية فيها منذ العهد القديم متّصلة اتّصالاً وثيقاً بمختلف الأقطار الإسلامية، فهناك روافد وامتدادات من مصر والعراق والشام وغيرها من بلاد العالم. هذه البلدة يمكن أن نقول: إنها ملتقى الثقافات الإسلامية والعربية في جزيرة العرب. وأبناؤها وشبابها متأثّرون بطبيعة بلدهم وبمن يفد إليهم من البلاد الأخرى من العلماء من حجاج وزوار وغيرهم. ويضاف إلى هذا أن الصحافة المصرية في ذلك العهد كانت تصل إلى مكة، ولها وكلاء خصوصاً كبريات الصحف، فتجد الشباب أو تجد عدداً منهم يتطلّعون إلى مطالعة هذه الصحف والاشتراك فيها، بل الصحيفة عندما يكون شاب في هذه المدرسة وأبوه ثري أو ذو صلة بالثقافة قد اشترك بنسخة من هذه الصحيفة، تجد هذه الصحيفة تدور على كل أبناء الفصل، بل تجد المدرسة كلها تستفيد منها. من هنا اختلطت عند دخولي في المعهد بعدد من الشباب المتطلّع إلى الثقافة الحديثة ومن لهم اطلاع على هذه الصحف التي ترد، فوجدت فيها شيئاً جديداً، ووجدت هناك ميلاً ورغبة بأن أطالع. وهناك عاملان آخران: الأول: كان أحد أساتذتنا في المعهد عالماً مصريًّا جليلاً هو الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة، وهو عالم ديني دراسته دينية، ولكنه كان واسع الثقافة، وكان يُوصينا بأن نطَّلع على أي كتاب أو أية صحيفة، بحيث كان يوجّهنا في أثناء دروسه بأنه نُشر في المجلة الفلانية وفي الكتاب الفلاني الحديث كيت وكيت، ينبغي أن تطالعوا هذه الكتب. ثانياً: يضاف إلى هذا أن أحد الذين تعرّفت إليهم في مكة كان في ذلك العهد معاوناً لمدير الضيافة، وقد ألحق الطلاب الذين أُتي بهم من المنطقة الشرقية بدار الضيافة لتتولّى شؤونهم، فكان ممّن يشرفون على هذه الدار إنسان مثّقف سبق أن ولد في الإحساء وعاش فيها، ومنطقة الإحساء منطقة علمية وثقافية، ولها اتصال مع البلاد الأخرى، وسافر هذا الرجل إلى الهند وتعلّم اللغة الهندية، واختلط بكثير من المثقفين في خارج البلاد، فلما صار في مكة اشترك في أكثر الصحف المصرية، وهو الأستاذ عبد الله بن سليمان المزروع، هذا الرجل -رحمه الله- حصل بيني وبينه صلة قوية وصداقة متينة جدّاً، وامتدت حتى انتقل إلى رحمة الله سبحانه وتعالى. كان هذا من الأسباب التي جعلتني أطّلع على كثير من الصحف واتَّجه هذا الاتجاه مع الاتجاه للعلوم الدينية وتقدّمي في فصلي وإكمالي دراستي، مع ذلك أصبحت لديَّ رغبة بأن أطالع كل ما يقع تحت يدي من الصحافة، بل أصبحت -وهذه طبيعة في كل شاب يحب التطلُّع- أسر عندما أشاهد إحدى الصحف نشرت اسمي أو قالت: فلان ألقى قصيدة أو كتب مقالاً، فأكتب كتابات عندما أقرؤها الآن أتأسف أنني تسرَّعت في بعثها إلى الصحف. محمد رضا نصر الله: متى بدأت بالنشر يا شيخ حمد؟ وما هي قصة استعارتك لكتاب الإلياذا ترجمة البستاني من الأستاذ محمد حسن عواد؟ حمد الجاسر: بدء النشر لا أتذكره بالضبط، لكنني أعتقد أنه سنة الـ 50 أو 52، وكان ذلك في جريدة صوت الحجاز التي يرأس تحريرها حبيبنا وصديقنا السيد محمد حسن فقي الشاعر الكبير، والأستاذ -أمتعه الله بالصحة- تخرَّج في دار الفلاح في مكة وابتُعث لفترة قصيرة إلى الهند -كما أظن- للدراسة ثم عاد وتولَّى رئاسة تحرير جريدة صوت الحجاز، وهو شاب في ذلك العهد، وكان -وأخشى أن تكون هذه من طبيعة الشعراء- ذا نظرة للحياة فيها شيء من التبرٌّم والتشاؤم، فكتب في إحدى افتتاحيات الصحيفة كلمة يُبدي تشاؤمه وتبرُّمه ويلوم الدهر على ما يحدث فيه، وكان من زملائي في ذلك الوقت في المعهد الشيخ عبد الله عبد الغني خياط الذي كان إماماً للمسجد، وأعتقد أنه ما يزال في حاجة إلى رحمة من الله تُشفيه من المرض، أسأل الله سبحانه وتعالى له الشفاء، فكتب الشيخ عبد الله خياط مقالة يرد على رئيس التحرير بعنوان: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)، فعقّبت -بعد أن كتب زميلي المعهد هذه الكلمة عليها- بكلمة أخرى بعنوان: (قل الحق وإن كان مُرًّا)، أقول فيها: إن أخونا الأستاذ محمد حسن فقي ليس على حق وأؤيد رأي الشيخ عبد الله وكما تعرف. فهذا لعله من أول ما كتبت. محمد رضا نصر الله: بعد فترة التكوين والتأهيل العلمي دخلتَ عالم الوظيفة وذهبتَ قاضياً في ضبا ومدرّسًا في ينبع وجدة والمدينة المنورة، هل بالإمكان أن نقف عند هذه المحطة قبل خروجك من المملكة العربية السعودية وذهابك إلى مصر لإكمال الدراسة الجامعية؟ حمد الجاسر: اخترت التدريس بعد أن تخرجت في المعهد، ولم أرَ نفسي في القضاء، بل توظّفت في التدريس: مدرّساً، فمعاوناً لمدرستين، فمديراً للمدرسة، وارتحت في الإقامة في بلاد ينبع، فهي بلاد طيبة، وأهلها أناس يتمتعون بأخلاق من الرِّقة واللطف، ويعيش المرء بينهم كأنه واحد منهم، وهي بلاد تقع في منطقة جميلة جدّاً على شاطئ البحر، وتتّصل بها واحة خصبة تسمّى ينبع النخل، فيها -في ذلك العهد- نحو خمسة وعشرون قرية، تسقى من العيون فيها بساتين، وفيها مصطاف حسن، وهي من أشهر المدن، فكنت مرتاحاً فيها، حيث صرت مديراً للمدرسة أتقاضى مرتباً حسناً في ذلك الوقت حوالي 60 ريالاً، وهي تعدّ في ذلك العهد مبلغاً كبيراً، وفي الوقت نفسه كنت مشرفاً على مدرسة أخرى لأبناء البادية في البلدة نفسها وأتقاضى -أيضاً- مكافأة، وفوق هذا وذاك أحسست براحة واطمئنان، بحيث كنت أفكر في الاستقرار في البلدة، وفجأة وصلتني رسالة من القضاء بأنه صدرت الإرادة الملكية بالموافقة على تعيينكم قاضياً على ضبا ونواحيها، وضبا هذه في شمال الحجاز، ولم تكن عندي رغبة في القضاء؛ لأنني أحسست أنني لم أُخلق قاضياً لطباع أدركها، ولأنني أميل إلى مهنة أو وظيفة أو عمل التعليم أكثر من ميلي إلى وظيفة أخرى، حاولت التملّص وأخيراً أرغمت إرغاماً بواسطة الشرطة، وذهبت هناك، ومن البداهة أن المرء عندما يُرغم على عمل يسعى بأي وسيلة لكي يتخلّص منه، وهكذا كان، فحكمت بإحدى الأحكام التي أغضبت ذوي الأمر قاصداً، ولكن عن اعتقاد حكمت، حيث كانت دية المرء المقتول في ذلك العهد مقرّرة بعشرة آلاف ريال ولكنها في الشرع مئة من الإبل على أهل الإبل، والجاني والمجني عليه كلهم أصحاب إبل، فأنا حكمت بمئة من الإبل، فلما رُفع الأمر إلى الجهات المختصَّة جاءني تنبيه بأن الأمر الصادر الذي قرّره مجلس الوكلاء -وذلك قبل مجلس الوزراء- بأن تكون الدية عشرة آلاف ريال، ولكنني صمَّمت وقلت: لا، إن تقريرات أمثال هذه الأمور لا يُرجع فيها للتقرير إلَّا إذا عُدم النص، وهناك نص صريح عن الرسول (ص) قضى بمئة من الأبل، وقرأت لهم الحديث، وقلت: المبلغ الذي قُرّر هذا لا يكفي لكذا من الإبل، ولو تساهلنا في هذا لفتحنا باب الشر وأصبح كل إنسان من اليسير أن يقتل آخر ويدفع عشرة آلاف ريال، ولكن عندما نُرغم ابن البادية أن يدفع مئة من الإبل بهذا نكون قد حكَّمنا الشرع، ووضعنا قاعدة لأن نسير في كل أحكامنا على الشرع، وبأن نحول دون تكرار الجريمة. فرأى ولاة الأمور أن من المصلحة عدم فتح هذا الباب فصدر الأمر بفصلي من القضاء، وكان ذلك خيراً، محمد رضا نصر الله: شيخ حمد، لنقف عند محطة أخرى من محطّاتك في عالم الكتابة والتأليف والبحث والصحافة والأدب، حيث كنتَ في الخمسينات الميلادية والسبعينات الهجرية قد بدأت مشروعاً لإيجاد أول جريدة في عاصمة المملكة العربية السعودية، وكانت النية تتَّجه لإصدار جريدة باسم الرياض، فلماذا انقلب الاسم من الرياض إلى اليمامة؟ حمد الجاسر: في سنة 1369هـ دُعيت بأمر من ولي العهد لكي اتولّى إدارة التعليم هنا في الرياض، فعرضت عليه أثناء قيامي بهذا العمل إيجاد صحيفة في مدينة الرياض، وأن خلوها من الصحافة يعدّ من الأمور التي لا تستحسن خصوصاً أن مدينة الرياض أصبحت قاعدة المملكة، فرحَّب بالفكرة، وكان -رحمه الله- طموحاً إلى كل عمل فيه إصلاح للبلاد، وكانت لديه رغبات قوية في هذا الاتجاه، ولكن الأمور لم تسر على ما كان يُتوقّع، حيث أمر وكتب إلى وزارة الداخلية، وكان يتولاها الأمير عبد الله الفيصل، بأننا قد إذنَّا لفلان بأن يصدر جريدة باسم الرياض، تصدر مؤقتاً بصفة مجلة حتى تتهيَّأ لها وسائل الطباعة في الرياض، وكتب كتاباً -أيضاً- إلى وزارة المالية للشيخ عبد الله السبيعان بأن يُعفى ما سوف يطلبه فلان لإنشاء مطابع في مدينة الرياض، وكانت أمور الصحافة في ذلك الوقت مرتبطة بوزارة الخارجية في قلم يسمّى قلم المطبوعات في الخارجية في جدة، فلما ذهبت إلى مكة وقدَّمت الكتاب إلى الأمير عبد الله أحاله إلى وزارة الخارجية، وقال: هذا ليس من اختصاصنا، وإنما اختصاص وزارة الخارجية، فهناك بعض الإجراءات منها إحضار كفيل وتعهّد وكذا، وفعلاً تم الأمر وأعطوني إجازة بأنه يصرّح قلم المطبوعات لفلان بن فلان لإصدار جريدة باسم الرياض تصدر بصفة مؤقتة شهرية حتى تتم الإعدادات اللازمة لها وكذا، فاغتنمت الفرصة، وكان لي بعض الأصدقاء من الطلاب في مصر أصبحوا وزراء فيما بعد، فذهبت إلى مصر بعد أن جمعت مواد للمجلة لأنه تأخّر صدورها، وتأخّرت الإجراءات حتى أصبحت موظّفاً في المعاهد والكليات، فاستعنت ببعض المدرسين عندنا في الكليات وكتبوا لي مقالات أغلبها ديني، واغتنمت الفرصة وقلت: لتصدر الصحيفة الآن بأية شكل كانت، وبعد ذلك يمكن أن تُوجَّه الوجهة الملائمة، وفعلاً طُبع العدد الأول باسم (مجلة الرياض)، ولما طبع بُعثت إليَّ أعداد منها، وقدَّمت كتاباً إلى ولي العهد في آخر حياة الملك عبد العزيز، أطلب السماح بنقلها بالطائرة، وقلت: إنها لا تزيد على 50 كيلواً، ونقلها في الباخرة يؤخّرها، فلم يوافقوا على هذا. وكتب لي عبد الله الحميدي كتاباً قال فيه: إن سمو سيدي بشأن كتابكم الي طلبتم فيه كيت وكيت وقد أمر سمو سيدي بما يلي: أولاً لا يسمح لكم باستعمال اسم الرياض؛ لأن هذا الاسم قد منحه سمو سيدي لمستشاره الخاص الشيخ عبد الله بالخير، كان في ذلك الوقت هو المشرف على الإذاعة والنشر. والأمر الثاني هو أنكم تدفعوا ما يطلب منكم من أجرة ولا يتحمّل شيئاً. والأمر الثالث أنه لا يمكن أن توزّع في المملكة صحيفة باسم الرياض. فاضطررت في ذلك الوقت وكانت الأحوال كما تعرفون من الناحية المادية ضعيفة، فقلت: خيراً من أن نُعيد الطبع نكتفي بنزع الغلاف أو الملزمة الأولى منها وإعادة ورقتين أسهل من أن نُعيدها جميعها. وكان القارئ عندما يقرأ المقالات الداخلية يجدها كلها ترحيب بمجلة الرياض (أي صحيفة الرياض)؛ ولهذا عمد أحد أبنائنا وأُخوانا ونشر في مجلة محترمة تصدر في البحرين اسمها (صوت البحرين)، نشر فيها نقداً لهذا، وقال: إن حمد الجاسر ذو ثقافة دينية، وقد أصدر أول صحيفة، ونحن نقرأ في الغلاف الاسم كذا، ويُشار إليها في داخلها باسم كذا. والشاهد أنهم لا يدركون ذلك. من هنا اخترت اسم اليمامة، وبعد ذلك صدرت مجلة في جدة باسم الرياض يرأس تحريرها السيد أحمد عبيد، وتصدر عن مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر للشربتلي، وقال عبد الله بالخير بأنه أعارهم الاسم. وبعد سنين قابلت أمير الرياض الأمير سلمان وأبديت له الرغبة بأني أود أن أصدر صحيفة يومية باسم الرياض، فوعد بالمساعدة، وفعلاً تقدَّمت بالطلب، ودُعيت للإمارة لكي أكتب تعهّداً وفق ما صدرت الموافقة بالسماح لي بإصدار جريدة باسم الرياض على أن أتعهّد باللازم بكيت وكيت، وفعلاً بعد ذلك نشرت في صحيفة اليمامة إعلاناً بارزاً (الرياض الرياض الرياض نبأ سار فترقبوه قريباً)، ما شعرت إلَّا تأتيني برقية من عبد الله بالخير، وكان هو المدير العام للإذاعة الصحافة والنشر: اطّلعنا على إعلان لكم في كيت وكيت، ممّا يدل على أنكم تُريدون إصدار جريدة بهذا الاسم، وأنتم تعلمون أن هذا الاسم قد مُنحتُ إياه وكيت وكيت. فعرقل الموضوع، فاتَّصلت بالأمير سلمان وقال: لا أستطيع أن أعمل شيئاً ما دامت المسألة أتت من الرجل المشرف على الصحافة. ولم يتم استعمال اسم الرياض إلا بعد أن قرّرت الدولة نقل الصحافة من الأفراد إلى المؤسسات، فكنت في بيروت، وقرأت الخبر، فأرسلت برقية إلى فيصل -رحمه الله- فقلت له: إنني قرأت في الصحف بأن الدولة ستعوّض الأفراد من أصحاب الصحف، وأنتم تدركون أن اليمامة أُخذت مني دون حق وأنا صاحبها، فإذا كان هناك تحويل فأنا أحق الناس بها. وتلقيت منه برقيًّا: أبلغنا وزارة الإعلام بما يلزم. وكان وزير الإعلام في ذلك الوقت الشيخ جميل الحجيلان، الذي أرسل لي كتاباً مطوَّلاً، وقال فيه: أنا أحب أن تحضر بسرعة، فحضرت، فقال لي: أمر فيصل بأن نُعيد إليك اليمامة، وقال: الدولة مقبلة على الترتيبات التي هي كيت وكيت، وأنا أرى أن هذا الشيء نشاز، أن أعطيك صحيفة بينما نحن نجعل الصحف مؤسسات، فأقترح عليك أن ترى بعض الإخوان الذين ترغب أن يشتركوا معك، وأن تتقدم بطلب لإنشاء مؤسسة، فكان من ضمن طلبت كذا، وأن ننشر جريدة باسم الرياض واليمامة ومجلة أخرى، وهكذا. محمد رضا نصر الله: شيخ حمد، مجلة اليمامة عُرفت في الخمسينات والستينات كمجلة بارزة ومعروفة، وناقشت الكثير من القضايا الاجتماعية والفكرية، واستقطبت عديداً من الوجوه الجديدة التي كانت متخرّجة للتو في الجامعات المصرية والأوربية، هل نقف عند هذه المرحلة؟ حمد الجاسر: يا سيدي الكريم، أولاً أريد أن ألفت نظرك إلى أن اليمامة لكونها صدرت في هذه البلاد التي ليس فيها صحافة كان هذا من أسباب شهرتها، يضاف إلى هذا أنني عندما أصدرت الصحيفة وحتى الآن لي نظرة إلى الغاية من الصحافة قد تخالف نظرات الكثيرين. فالنظرة المعروفة وإلى عهد قريب هي: الصحافة صورة وخبر، وهذا النظرة انتهت مع التلفاز والإذاعة وقُضي على هذه الفكرة. وقبل هذا وذاك هناك أمم قد أُتخمت بالثقافة، وهناك أمم أو بلاد هي بحاجة إلى أن تستثمر كل وسائل الثقافة فيما يرفع مستواها الفكري والعقلي، وأنا أنشأت الصحافة أولاً لتكون واسطة بين القارئ العادي وموظف الدولة لكي تبدي لهذا الموظف حاجة هذا الرجل العادي، وتُلفت أنظار المسؤولين إلى ما تحتاجه البلاد؛ لهذا تجدها مملوءة برسالة المدن والأقاليم، وليس في هذا مدح ولا ثناء، وإنما فيه أن البلدة الفلانية تحتاج إلى كذا، وهكذا، فغاية الصحافة أن تُهيِّئ موظف الدولة ليخدم الدولة بخدمة الشعب، فالدولة هيَّأته لكي يخدم أمته، وهذا الموظف قاصر النظرة ومحدود الفكر، وقليل الاطلاع، فيحتاج إلى من يُوجِّهه، فأنا أرى أن الصحافة يجب أن تكون هي وسيلة التوجيه هذا، وليس معنى الصحافة أن نملأها بالثناء على من يستحق الثناء، لأن من يستحق الثناء عمله البارز الواضح هو ما يثني عليه، ولا مانع من أن نقول للمحسن: أحسنت، ولكن ينبغي أن نقول للمسيء لا بنحو فظٍّ وفجٍّ: أسأت، بل نقول له: يا أخي، ينبغي أن تُحسن بأن تفعل كذا وكذا. فلهذا ينبغي أن نستعمل الصحافة وسيلة للتوجيه. أحدهم تحدَّث في إحدى المرات وقال: إن حمد يقول: إن اليمامة في عهده كانت كيت وكيت، ولكن الآن اليمامة أصبحت تدخل كل بيت. فقلت: إنه صادق؛ لأنها تدخل كل بيت؛ لأنها نزلت إلى المستوى الذي أوجدت الاهتمام بالثقافة لدى الإنسان الذي لا يهتم بالثقافة ولا بالفكر ولا بغيره لكنه يريد أن يتسلّى بها، وهذا ليس هو المطلوب، بل المطلوب أن نرفع هذا المستوى الفكري وأن نجعل كل بيت هو نفسه يرتفع بمستواه وتفكيره. فالشاهد أن هذه نظرتي إلى الصحافة أنها وسيلة توجيه وإرشاد، وأن تقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: اعمل حسناً لكي تُشكر عليه، هذا هو، وأن الأمم أو البلاد التي لم تُتخم من الثقافة لتصل إلى درجة أن تنشئ مجلات للرياضة وأخرى للفن وغير ذلك، ينبغي أن تستثمر كل جهدها وصحافتها لكي تكون هذه الصحافة وسيلة انتشال ونشر ثقافة وامداد هذا الشعب بطاقات حيوية تجعله يستضيء ويفهم ويدرك ما يدور حوله. محمد رضا نصر الله: شيخ حمد الجاسر، تشكّل بيروت محطة رئيسية في حياة الشيخ حمد الجاسر، وقد ذهبت إليها في الستينات الميلادية، وهناك أسست مركز أو دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، نريد هنا أن نتعرف لماذا ذهبت إلى بيروت أولاً؟ وبعد ذلك، ألم تؤثّر بيروت عليك بحياتها الثقافية المتلاطمة بالأفكار السياسية والأدبية الجديدة؟ حمد الجاسر: سيدي الكريم، أولاً هناك قطران عظيمان لهما أثر كبير في ثقافتي بصفة عامة، القطر المصري فيه أساتذتي الذين أُقدّرهم وأحترمهم وأجلهم وأعترف لهم بالفضل. ولبنان الذي وجدت فيه من الحرية وكرم الضيافة والالتقاء بإخواني من الأدباء والتعرُّف إليهم، وجدت فيهم اللطف الأصيل ما مكنني من القيام بأقوى نشاط قمت به في حياتي، وهو إصدار مجلة العرب التي توشك أن تُنهي سنتها الثامنة والعشرين، وإنشاء دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر التي نشرت فيها عشرات الكتب، فحال لبنان هذا شيء معروف ومدرك، وأحس به كل إنسان ملمّ بالثقافة العربية، وله أثر كبير في الثقافة بصورة عامة. ومن خلال إقامتي في بيروت وجدت البلاد هي خير بلد يستطيع المثقّف أن يعيش فيه، مطمئناً على حياته، ويستطيع أن يقوم بغاية جهده في سبيل نشر ثقافته. ومن هناك أنشأتُ مؤسسة اليمامة التي نشرت عدداً من المؤلفات، ولعل من أجلها ثمانية عشر مجلداً من المعجم الجغرافي في البلاد العربية السعودية، وثلاث مجلدات من المعجم المختصر، ونشرت عدداً من الكتب الأخرى. كما أني أصدرت مجلة العرب التي لا تزال مستمرةً في الصعود. وأقولها كلمة حق: لولا مساعدة دولتنا الكريمة -أعزها الله وأدم لها النصر والتأييد- وأنا في لبنان لما استطعت أن أقوم بأي عمل من تلك الأعمال، فقد أصدرت المعجم الجغرافي بتوجيه ورعاية من وزارة الإعلام التي أُوعز لها الجهات العليا بأن تقوم بهذا العمل في عهد فيصل -رحمه الله- ثم في عهد أخوته من بعده. محمد رضا نصر الله: شيخ حمد الجاسر، حدثت مشاكل بيروت واقتتالاتها وكنت هناك، ما هو الشرر الذي طال الشيخ حمد الجاسر من النار التي اشتعلت في بيروت؟ حمد الجاسر: كنت في بيروت وحدثت الحوادث على حين فجأة، وقد اكتويت بشيء من نارها، فقد ذهب أكبر أبنائي في حادثة من حوادث تلك الأيام، حيث أُسقطت الطائرة التي قَدِمَ بها من أوربا توهّماً بأن فيها إمدادات وغيرها، وفيها اثنان وستون راكباً احترقوا وغرقوا في البحر، وأقمت حوالي 42 يوماً وأنا شبه مسجون في بيتي في حالة سيئة جدّاً، حتى هيَّأ الله لي الخروج كما خرج أناس آخرون من خيرة المثقفين من اللبنانيين من أعرفهم ومن لا أعرفهم، فما حدث من أمور عمَّت وشملت، ونال شررها وضررها حتى البعيدين عنها. محمد رضا نصر الله: بعد هذا العمر الثمانيني المديد يحق لنا -نحن الجيل الحاضر- أن نتعرف إلى مواقفك من طبيعة الحركة الأدبية والثقافية في المملكة العربية السعودية، كيف تنظر إلى هذه التجربة الثقافية خصوصاً بعد نشوء الجامعات وتخريج أجيال كبيرة من الدكاترة والمؤهّلين؟ ماذا قدّموا من التاريخ الثقافي للبلاد؟ وماذا أعطوا ممَّا يطلبه المجتمع السعودي من أفكار ومداولات لقضاياهم الاجتماعية والثقافية؟ حمد الجاسر: يا سيدي الكريم، أثر الجامعات وأثر هذا الشباب المثقّف المتعلّم من حملة الإجازات والشهادات الكبيرة، لا يمكن أن يبرز في مدة قصيرة، مع أنه مؤثّر بالفعل في عهدنا الحاضر، ولكن تأثيره البالغ الواضح سيكون فيما بعد من السنين، أما الآن فنحن لا نزال في دور الإنشاء ودور النشوء والإيجاد. وعدد السنوات التي قُطعت بعد إنشاء الجامعات وإن زادت على عشرين عاماً أو قاربت الثلاثين عاماً، لا تزال -بالنسبة إلى أعمار الجامعات وإلى ما يُؤمَّل منها- غير مكتملة. ولا يمكن لأي مثقف أو أي معني بشؤون العلم إلَّا وأن يحسَّ أننا تغيَّرنا تغيُّراً قويّاً جدّاً في الاتجاه السليم الذي يؤمّل إن شاء الله متى استمر أن نصل إلى ما هو خير منه، ونحقّق إلى ما نتوق إليه. ونحن الآن في جامعاتنا ومن خلال عطاء شبابنا المثقف وفي وسائل الثقافة العامة التي منها الصحافة والمذياع والتلفاز وغيرها، صرنا نجد مادة غزيرة خصبة نافعة موجّهة، لا نحس باليسير منها قبل عشر سنوات بل قبل خمس سنين، بل نجد أننا كل سنة نتقدم تقدّماً حثيثاً بالنسبة إلى السنوات الماضية التي مرّت بما مرَّت بالأمم غيرنا. محمد رضا نصر الله: شيخ حمد الجاسر، نريد أن نتوقّف عند محطات في حياتك الشخصية ونسألك -مثلاً- عن زواجك، هل تزوجت عن حب مثلاً؟ حمد الجاسر: أولاً يا سيدي الكريم، أنا لم أتزوج إلَّا وقد تقدّمت بي السن وليس عن حب، وإنما عن رغبة في الزواج والاستقرار، وأحمد الله سبحانه وتعالى أنني كنت موفَّقاً في زواجي، وأنني عندما أقدمت على الزواج حدث ذلك في السن والوقت الملائم، وأن الله هيَّأ لي -أيضاً- من أكنّ لها في نفسي ما أكن، وإذا كان هناك شيء فوق الحب فهو هذا، ولو لم يكن من ذلك إلَّا أنني سعدت بشريةك لي في حياتي أقر وأعترف بأن لها بعد الله سبحانه فضلاً في تهيئة الوسائل التي تجعلني أتَّجه اتّجاهاً نافعاً في أعمالي بينما كفتني أشياء أخرى، فقد تولت تربية أبنائي وتوجيهم، وتدبير شؤون منزلنا وقام بذلك خير قيام، حتى أصبحت لنا أسرة -ولله الحمد- مكونة من عدد من الأبناء يسهمون في خدمة بلادهم. فابني معن -ولله الحمد- تخرج في الجامعة في كلية البترول في الظهران، وله الآن أكثر من أحد عشر عاماً في الوظيفة ويرأس قسماً في إحدى أعمال الدولة لعل اسمه صندوق التنمية الصناعي. وعندي أربع بنات يعملن في الجامعات، منهن الصيدلية وثلاث منهن محاضرات، فيساهمن في خدمة بلادهن، وكل هذا بفضل من الله سبحانه، ولوالدتهم الجزء الأكبر من التوجيه والرعاية، بحيث استطاعت هذه الأسرة أن تعيش -ولله الحمد- بسعادة قلَّ أن تماثلها سعادة أسرة أخرى. محمد رضا نصر الله: الملاحظ على بناتك وابنك أنهم قد تخصَّصوا في دراسات علمية دقيقة، فكيف يتواصلون ثقافيّاً مع اهتمامك بالثقافة الكلاسيكية، في دراسة الجغرافية القريبة -مثلاً- والتاريخ واللغة، فهذه موضوعات تعتبر بشكل وبآخر ممَّا لا يهتم بها الجيل الجديد؟ حمد الجاسر: يا سيدي الكريم، ينسب إلى الإمام علي (رضي الله عنه) أو إلى غيره: “لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”، لذا كانت نظرتي في الحياة أن تدع أبناءك يختارون ما يميلون إليه وما يرغبون فيه، فليس من الحكمة إذا وُجد مثقّف ثقافة قديمة في اللغة أو التاريخ في هذه الأسرة أن نجعل الأسرة كلهم يتّجهون هذا الاتجاه، هذا من الخطأ، ويجب أن يكون لهم مجال واسع، ويتَّجه كل واحد من الأبناء إلى الوجهة التي يميل إليها، والتي يكون فيها منفعة لأمته ولبلاده، ويستطيع أن يواصل عمله فيها ويعيش غير عالة على غيره. محمد رضا نصر الله: شيخ حمد، بحكم تخصُّصك كبحَّاثة ومجغرف ومؤرّخ لا بد وأن الرحلات قد استغرقت منك اهتماماً واسعاً، فإلى أين وصلت في الخارطة العالمية؟ حمد الجاسر: أولاً يمكن أن أقول بأنني لا أعرف قطراً مشهوراً في العالم من الأقطار المشهورة إلَّا وقد ذهبت إليه، خصوصاً الأقطار الكبيرة التي توجد فيها خزانات الكتب والمكتبات، فزرت أوربا أكثرها، وأمريكا كذلك، وجهات الشرق كالهند وباكستان واليابان. وكانت الدوافع الأولى لزياراتي القديمة الرغبة في الاطّلاع على ما في تلك المكتبات من مخطوطات أو نوادر مخطوطات تتعلّق بالتاريخ العربي. وفي السنوات الأخيرة ضعفت عندي البواعث هذه وضعف نظري، ووهن جسمي عن مواصلة الكتابة والنقل وغيره، فأصبحت رغبة الأسفار عندي ضعيفة جدّاً. وقد استفدت كثيراً من مكتبات إسطنبول، كما استفدت من مكتبات في أوربا كمكتبة المتحف البريطاني ودير الأسكوريان في إسبانيا ومكتبة باريس الوطنية، ومكتبة متحف الأمة في ألمانيا. والرغبة الحافزة لي في ذلك كله أن أنمي في نفسي ما أحسّ بميل إليه من مواصلة البحث في تاريخ الأمة وجغرافية بلادها وهكذا. محمد رضا نصر الله: سؤال أخير شيخ حمد، ما هي هواياتك، فلكل امرئ هوايات يخرج بها عن نطاق تخصُّصه، ولا بد أن القراءة في هذه الموضوعات الجافة تستدعي نوعاً من الرطوبة، فبماذا يُرطِّب الشيخ حمد نفسه إذا ملَّ من القراءة والكتابة؟ حمد الجاسر: كانت أهم هواية عندي هي المشي، ولكني أوشك أن أكون حُرمت منه في الأيام الأخيرة، فأنا مشَّاء أحب المشي، وأحب التجوُّل والسير ما استطعت إلى ذلك. بل أتذكر أنني لما سافرت إلى مكة في أول رحلة حج لي سنة 1348هـ قطعت أكثر المسافة مشياً وإن كنت قد اشتريت راحلة، وقد كنت أرأف براحلتي وأقود خطامها، وكنت أمشي الساعات ولا أمل، أما الآن فقد انتهت هذه الرغبة. عندي هوايات أخرى لما كنت صغيراً في بعض ألعاب الأطفال التي يتعاطاها الأطفال الآخرون وغيرها. أما الآن فأصبحت الرغبة الوحيدة لي عندما أملّ من الاضطجاع فوق الفراش أن أنزل إلى المكتبة وأبحث عن مخطوطة أو كتاب وأتسلّى به حتى يُؤذّن لصلاة الفجر، فأوشكت الرغبات كلها أن تنحصر في التعلُّق بالكتاب، وإن كانت تعلُّقي به تعلّقاً ضعيفاً بسبب ضعف نظري.