عقار أم جباية؟
لم يعد الخلل في بعض الإجراءات العقارية مجرد ملاحظة عابرة يمكن تجاوزها، بل أصبح في بعض جوانبه عبئاً مباشراً على أطراف العلاقة الإيجارية، وبخاصة المؤجر والمستأجر والوسيط العقاري. فالهيئة العامة للعقار، عبر بعض أدواتها ومنصاتها، تتجه أحياناً إلى إجراءات يفترض أنها جاءت لتنظيم السوق، لكنها في التطبيق تفتح باباً واسعاً للارتباك، وتضع الوسيط العقاري في موقع غريب؛ فهو مطالب بالرسوم والاشتراكات والرخص والدورات، لكنه في المقابل يهمش عند أهم نقطة تتصل بعمله ومعرفته الميدانية بالعقار وحال المستأجر والمؤجر. ومن أوضح أمثلة ذلك ما يحدث في تجديد العقود تلقائياً عبر منصة إيجار، حيث تتجدد بعض العقود رغم أن المستأجر قد أخلى العين المؤجرة، أو رغم أن العقار قد انتقلت ملكيته إلى مالك جديد. وهنا لا يكون الخطأ بسيطاً، لأن العقد ليس ورقة شكلية، بل علاقة نظامية ومالية بين أطراف عدة، فإذا جددت المنصة عقداً على واقع لم يعد قائماً، فإنها لا تربك السوق فقط، بل تضع المؤجر والمستأجر والوسيط أمام مشكلة لم يصنعوها. والأغرب من ذلك أن الوسيط العقاري، الذي يفترض أنه الأدرى بحالة العقار، وبمن بقي ومن غادر، وبما طرأ على الملكية أو العلاقة الإيجارية، يجد نفسه خارج القرار الفعلي عند التجديد، بينما يبقى حاضراً عند تحصيل الرسوم. فهناك مبالغ تدفع للدورات التابعة للمعهد العقاري السعودي، ورسوم لرخص فال في الوساطة العقارية وإدارة الأملاك وإدارة المرافق، ثم تظهر خدمات إضافية مثل “إيجار بلس” برسوم مرتفعة، ورسوم لمعرفة السلوك الإيجاري للمستأجر، ثم رسوم أخرى تتصل بخدمات ومنصات مرتبطة بالسوق العقاري. ولا تتوقف المسألة عند تعدد الرسوم والاشتراكات، بل تمتد إلى ما يراه كثير من الوسطاء العقاريين تراجعاً في الاعتراف بدورهم المهني، ومن ذلك إلغاء خانة عمولة الوسيط من العقد الإلكتروني، رغم أن العمولة تمثل العائد المشروع الذي تعتمد عليه منشآت الوساطة العقارية في تغطية مصروفاتها والتزاماتها النظامية. فكيف يطلب من الوسيط أن يتحمل رسوم التأهيل والتراخيص والاشتراكات والخدمات المختلفة، بينما تتراجع الأدوات التي تحفظ حقه المهني وتؤكد حضوره في العلاقة التعاقدية؟ إن مثل هذه الإجراءات تعطي انطباعاً بأن الوسيط مطلوب عند تحصيل الرسوم، لكنه يصبح أقل حضوراً عند تنظيم الصلاحيات واتخاذ القرارات المرتبطة بالعقد والعلاقة الإيجارية. ولا تقف الإشكالية عند هذا الحد، بل تمتد إلى ما هو أشد حساسية، حين يجدد عقد بالخطأ، ثم تخصم رسوم من محفظة المؤجر، فإذا تواصل المؤجر أو المستأجر مع المنصة لإلغاء العقد باعتبار أن التجديد لم يكن صحيحاً، يلغى العقد ولا تعاد الرسوم المخصومة. وهذا أمر لا يستقيم لا من حيث العدالة ولا من حيث المنطق؛ لأن الخطأ إذا كان صادراً من النظام أو من آلية التجديد، فلا يجوز أن يتحمل المؤجر أثره المالي. فالرسوم التي تحصل بسبب إجراء خاطئ ينبغي أن تعاد لصاحبها، لا أن تصبح تكلفة مفروضة على من لم يتسبب في الخطأ. ولعل ما يثير التساؤل أن كثيراً من هذه الإشكالات سبق أن أثيرت من قبل الملاك والمستأجرين والوسطاء العقاريين، ومع ذلك ما زالت تتكرر بصورة تدعو إلى مراجعة أعمق للآليات الحالية. فالسوق العقاري ليس مجموعة أرقام وعقود إلكترونية فحسب، بل منظومة متكاملة تقوم على واقع ميداني متغير لا يمكن تجاهله أو إدارته بالكامل من خلف الشاشات. وكلما اتسعت الفجوة بين الواقع والإجراءات، زادت المشكلات وتعقدت الحلول. إن تنظيم السوق العقاري لا يعني إضعاف الوسيط، ولا تحويله إلى ممول للخدمات دون تمكين حقيقي. فالوسيط ليس رقماً هامشياً في العلاقة الإيجارية، بل هو عين ميدانية تعرف تفاصيل لا تراها المنصة من خلف الشاشة. وإذا كانت الهيئة تريد سوقاً أكثر انضباطاً وعدالة، فإن أول ما ينبغي فعله هو مراجعة آلية التجديد التلقائي، وإعادة الاعتبار لدور الوسيط، وإرجاع أي رسوم تخصم نتيجة خطأ تقني أو إجرائي لا يد للمؤجر أو المستأجر فيه. فالسوق لا يستقيم بكثرة الرسوم، بل بعدالة الإجراءات. ولا قيمة لأي منصة مهما بلغت دقتها التقنية، إذا كانت لا تسمع الواقع كما يعيشه الناس على الأرض.