حياة متقاعد (3)
بفخر.. صنفت نفسي في قائمة المتقاعد (“غرندايزر” (Grendizer)، المنطلق في فضاء الحياة التقاعدية بكل تحدياتها. أخال نفسي ماردا يصنع ويحيك عالم الاستثناءات (قوة – تأثير - قرار). متحرك لا يستكين. أعمل لأثبت لنفسي وجيلي بأن (مرقة) جسمي لم تجف أو تتعكر. حياة كل متقاعد لوحة منفردة بذاتها ومكوناتها ورموزها، مقارنة باللوحات المستحدثة بفعل التغيير. هكذا أعيش حالة طائر وقع من عل، لكنه حي ينتفض ليتحرك ويعطي للآخرين مؤشرات المصير. بعد بلوغي سن التقاعد النظامي. حصلت على تمديد سامي لمدة خمس سنوات لصالح العمل. بعد سنتين أعلنت التضحية بثلاث سنوات، لأسباب قسرية، أتحفظ على ذكرها. تقاعدت عام (2016). تحدثت مع نفسي وتشاورت وقررت أن أنطلق: “غرندايزر”. رأيت نفسي ذلك الكائن الآلي. جعلته قدوتي. رسمته شعارا بعد تقاعدي. سمحت لنفسي بوضعه “وسما” لكل متقاعد. هكذا خرج “غرندايزر” -الذي هو أنا- لحياة جديدة. عاملت نفسي وكأني مولود جديد. اختلقت سلسلة صراعات وتحديات مع النفس. جسدت الشعور بأني ذلك الفارس الاستثنائي. لا يشيخ.. بل يتجدد وفق ما يريد وينتصر، وفقا لنظرية “غازي القصيبي”: [تمشي الهزائم فوق منكبه وهو بأفراح النصر مشغول]. بعد التقاعد قابلت أحدهم، وكنت أضع كمامة “كرونا” على فمي وفتحات خشمي العربي المنتصب بشموخ وسط وجهي الحنطي، بملامح عربية صارمة. أحضرته لحاجتي لمهنته. حضر.. أزلت الكمامة.. نظر لوجهي محدقا، قال: احسبك شباب.. مكانك مكة. اعترض على مشاريعي التقاعدية. نصح تركها لأولادي. اعتبرت حديثه تعدي على نطاق كياني التقاعدي. استبدلته بآخر.. نفذ ما أريد دون نصائح وملاحظات. هكذا سجلت أول حالة “ركوب الرأس” بعد التقاعد. انفرط حبل المسبحة. ثم أيقنت بأن هناك صيادون مهرة متفرغين لصيد مشاهد تقاعدية، يحولونها إلى ساحات للفرجة. البعض يسميهم (ملاقيف). فجأة يظهر أحدهم من أقصى زوايا حياته الخاصة قائلا: [يا الله كبرا بهدى]. هذا في أقصى حالات الأدب الجم. استمع وأحلل وأستنتج. عندهم خرجت إلى مجال سكة التائهين المعروفة حتى في الأغاني العربية المجيدة. هناك آخرون لا يؤمنون الا بأنفسهم فيقولون: (الرجّال خرّف)، (الرجال يتشبب). هكذا يكون صراع المتقاعد، مع نفسه ومع الآخرين من حوله. يخترع (الغرندايزيون) أي المتقاعدون الصراع ويصنعونه، ليشعروا بقيمتهم وعلو شأنهم. هذا يجعلهم أقوياء حتى بالصوت. ولهذا جاءت كلمة عبد الله القصيمي: “العرب ظاهرة صوتية”. لأن من يتحدث ويستأثر بالحديث هم الكبار. لم يتركوا للأجيال الشابة مسلكا يختارونه. هكذا يستمر خط انتاج المتقاعد ليملأ الدنيا من حوله ضجيجا موجها لشخصه. يسحبون للماضي ويعمقون فضائله وفضائلهم. البعض يستقطب الأنظار بنشاطات جماعية ليثبتوا لأنفسهم قبل غيرهم، بأنهم يمارسون حياة السندباد حتى في المقاهي والأسواق، بعيدا عن المكتبات. ليست جليسا مريحا للإذن. الكتاب لا ينطق. وقد قال كبيرهم: “الأذن تعشق قبل العين أحيانا”. المتقاعد يتلذذ بالمشهد. يوظفه بخيال جامح. يشرحه إلى مشاهد عديدة ترضيه. يبحر عبرها إلى معالم لها تضاريس مشوقة. يتخيل أنه أهل لعيشها. يخلق بهذه المشاهد الاستنتاجية مسرحا لنفسه. هذا النهج نتاج خيال توليد لغته. تمكنه من ممارسة هذا الدور التشريحي للمشاهد. تصبح وظيفته المرموقة، بتضاريس متعددة ومختلفة. لا يهم أن تكون متضاربة ومتعارضة. ويستمر الحديث.