تُعرف معظم الصالونات الثقافية والمجالس الأدبية في العالم بأسماء مؤسسيها. فالاسم الشخصي غالبًا هو العنوان الأول للمشروع، وهو ما يجعله مرتبطًا بصاحبه حضورًا وغيابًا. لكن حين تأسس مجلس وادي القرى الثقافي بالعلا، كان أول قرار فيه ألا يحمل اسم مؤسسه، بل اسم المكان. لم يكن ذلك قرارًا تنظيميًا بقدر ما كان موقفًا فكريًا. فالمكان أبقى من الإنسان، والفكرة أوسع من صاحبها، والوادي الذي تعاقبت عليه الحضارات والممالك عبر القرون أولى بأن يُرفع اسمه من أي اسم فردي مهما كان. ومن هنا بدأت فكرة المجلس؛ ليس بوصفه مشروعًا شخصيًا، بل بوصفه مساحة للمعرفة والحوار ، ووفاءٌ للمكان الذي احتوانا، وللوطن الذي منحنا الفرصة، وللتاريخ الذي شكّل هويتنا، وللمعرفة التي صنعت وعينا، وللأجيال التي تستحق أن تجد الطريق أقصر مما وجدناه. فالثقافة في حقيقتها ليست محاضرات تُلقى ولا أمسيات تُقام فحسب، بل بناء للوعي، ومدّ للجسور بين الناس والخبرات، وبين الأجيال وتاريخها. وحين يجلس أبناء المجتمع المحلي أمام مفكرين وأدباء وأكاديميين ومسؤولين قدموا من مختلف مناطق المملكة، فإن ما يحدث ليس مجرد لقاء ثقافي، بل توسيع لأفق الرؤية وإتاحة للمعرفة في مكانها الطبيعي بين الناس. ولعل من أجمل ما شهدته تجربة المجلس الاحتفاء برواد التعليم في العلا، أحياءً وراحلين، واستعادة ذاكرة امتدت لأكثر من قرن من العطاء. فقد اجتمع الأبناء والأحفاد لتسلّم شهادات التكريم نيابة عن آبائهم وأجدادهم، في مشهد لم يكن احتفاءً بالأشخاص بقدر ما كان احتفاءً بقيمة التعليم نفسها. ولأن الوفاء لا يكتمل بالتذكر وحده، فقد تحول ذلك الاحتفاء إلى وقف يعود ريعه لأيتام العلا، ليبقى الخير ممتدًا كما بقي أثر أولئك المعلمين. إن السؤال الحقيقي ليس كم محاضرة أُقيمت، ولا كم ضيفًا حضر، بل ماذا بقي بعد انتهاء الجلسات؟ إذا خرج شاب بفكرة جديدة، أو وجد باحث من يرشده، أو استعاد المجتمع ذاكرة أحد رموزه، أو اقترب الناس من تاريخهم وثقافتهم أكثر، فقد حققت الثقافة رسالتها. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن أي مشروع ثقافي أنه لا يعيش بصاحبه فقط، بل يعيش بالرسالة التي يحملها. ومن هنا جاءت أهمية بناء الوقف الثقافي ليكون سندًا للاستمرار، لأن الرسالة التي ترتبط بشخص واحد غالبًا ما ترحل برحيله، أما الرسالة التي ترتبط بالمكان والمجتمع فتبحث دائمًا عن طريقها إلى البقاء. وتلك هي الثقافة حين تكون وفاءً..