حين ينقطع الإنترنت ..

ما الذي جهزناه لحفظ بياناتنا؟

في الأول من سبتمبر عام 1859م، استيقظ العالم على ظاهرة لم يرَ مثلها من قبل. سماء الليل تتوهج بألوان لم تعرفها إلا القطب الشمالي، وأسلاك التلغراف تُشعل النار من تلقاء نفسها، والمشغّلون يتلقون صعقات كهربائية دون أن يلمسوا شيئاً. وكما وثّقت العديد من الجهات الإعلامية، من بينها صحيفة الشرق والجزيرة نت، هذه الحادثة التي سميت بحادثة كارينغتون .. على اسم عالم الفلك البريطاني “ريتشارد كارينغتون” ، والتي تعتبر أكبر عاصفة شمسية تضرب الأرض في التاريخ، كانت شبكة التلغراف في تلك الحقبة هي “الإنترنت الأول الذي يربط المدن والقارات”. وحين ضربتها العاصفة، فشلت أنظمة التلغراف في جميع أنحاء العالم بشكل كارثي، وأبلغ مشغّلو التلغراف عن تلقّيهم صدمات كهربائية واشتعال النيران من تلقاء نفسها. لكن توقف التلغراف في تلك الحقبة لم يقطع الناس عن التواصل فيما بينهم؛ كانت الحياة تمضي، والرسائل تجد طريقها، والأسواق تعمل. أما اليوم فالمشهد مختلف جذرياً؛ إذ لم يعد الإنترنت أداةً نلجأ إليها حين نشاء، بل صار العمود الفقري الذي تقوم عليه المستشفيات والمصارف والحكومات والاقتصادات. ولا تبقى هذه المخاوف في دائرة الافتراض النظري، إذ تكشف الوقائع التاريخية عن هشاشة حقيقية في البنية الرقمية العالمية. ففي أكتوبر 2021، تعطّلت منصات فيسبوك وإنستغرام وواتساب لست ساعات متواصلة، كانت كافية لتوقف ملايين الأعمال الصغيرة التي باتت تعتمد على هذه المنصات شرياناً وحيداً للتواصل مع عملائها، فيما خسرت شركة ميتا وحدها ما يقارب ستة مليارات دولار من قيمتها السوقية في يوم واحد. وإذا كانت ست ساعات كافية لهذا الحجم من الخسائر، فما الذي يمكن أن تُفضي إليه أيام أو أسابيع؟ الإجابة تجدها في أرقام عام 2025؛ إذ رصدت اندبندنت العربية ارتفاعاً بنسبة 156% في الكلفة الاقتصادية لانقطاعات الإنترنت مقارنةً بعام 2024، لتبلغ كلفتها الإجمالية على الاقتصاد العالمي نحو 19.7 مليار دولار. لكن الأثر الاقتصادي على فداحته ليس الأكثر إثارةً للقلق. ما يقلق حقاً هو المشهد الثقافي. حين نتطرق للإنترنت وعلاقته بالثقافة، نتحدث عن شيء أعمق من مجرد وصول إلى المعلومات أو الخدمات. نتحدث عن أين تحفظ الذاكرة الجماعية للبشرية اليوم. الكتب الرقمية، والأرشيفات الصحفية، والأعمال الموسيقية، والأفلام، والمدونات، كلها صارت مخزّنة على شبكة تتحكم فيها شركات قد تتغير أو تحجب محتواها في أي وقت. وخير دليل على ذلك ما حدث مع موقع “ماي سبيس” عام 2019، حيث أعلن الموقع كما نقلت عدد من وسائل الإعلام العالمية أن جميع المحتوى الذي تم تحميله على موقعها قبل عام 2016، بما في ذلك ملايين الملفات الصوتية والصور ومقاطع الفيديو التي لا تتواجد على مكان آخر على الإنترنت قد فقدت بشكل كامل. وألقت الشركة باللوم، على فقدان هذه الملفات التي تم تحميلها على الموقع منذ تأسيسها في عام 2003 حتى عام 2015، على ترحيل خاطئ للخوادم مما أدى إلى الحذف الشامل. وحادثة ماي سبيس ليست استثناءً في عالم التخزين الرقمي، إنما هي تذكير بأن حتى أضخم الأنظمة وأكثرها تقدماً ليست بمنأى عن الكوارث. ففي عام 2021، التهم حريق كبير في ساعات مركز بيانات شركة OVHcloud في مدينة ستراسبورغ الفرنسية واحترق معه ملايين الملفات الرقمية لعملاء من حول العالم، وأثار تساؤلات جدية حول مدى صمود هذه المراكز أمام المخاطر البيئية كالفيضانات والزلازل وارتفاع درجات الحرارة. الخطر إذن لا يأتي فقط من قرارات الشركات أو السياسات القانونية، إنما من الطبيعة ذاتها. من هنا تبرز أهمية ما يُعرف بـ “استراتيجيات الحفظ الرقمي طويل الأمد”، وهي منظومة متكاملة من الحلول التقنية والإدارية التي تضمن بقاء البيانات آمنة ومتاحة لعقود قادمة، وفقًا لما أشارت إليه إرشادات اليونسكو/PERSIST للحفظ الرقمي ومواد الجمعية الدولية للأرشيف (ICA). وأبسط هذه الاستراتيجيات وأكثرها فاعلية في حماية البيانات من التلف الفيزيائي هو مبدأ “3-2-1”؛ والذي يعني الاحتفاظ بثلاث نسخ من البيانات، على وسيطين تخزينيين مختلفين، مع وضع نسخة واحدة منهما على الأقل خارج الموقع الجغرافي الأصلي، كما أشار إليه خبراء أمن المعلومات والحفظ الرقمي في عدة مراجع متخصصة. كما أن الملفات الرقمية لا يمكنها البقاء عبر الزمن بالاعتماد على التخزين السلبي دون صيانة وتحديث مستمر، إنما تتطلب استراتيجيات فاعلة مثل التحديث الدوري، وترحيل التنسيقات، ومحاكاة الأنظمة لضمان مرونتها واستمراريتها. وهذا تحديداً هو التحدي الاستراتيجي الذي غفلت عنه معظم الدول العربية؛ فالمسألة الحقيقية ليست مجرد تحديد أين تُحفظ البيانات اليوم، بل في التخطيط لكيف سنتمكن من قراءتها وفك شفراتها غداً. وكما ترصد بيانات منصة statista استناداً إلى تقديرات Synergy Research Group، فإن “الشركات الثلاث الكبرى” من شركات البنية التحتية السحابية -أمازون ومايكروسوفت وجوجل- يستحوذون مجتمعين على ما يزيد على 63% من سوق الحوسبة السحابية العالمية، وهذا الرقم ينطبق على معظم دول العالم بما فيها الدول العربية. بمعنى آخر، حين تنقطع الشبكة أو تتغير سياسات تلك الشركات، فإن الوصول إلى هذا الكنز الثقافي والمعلوماتي يصبح رهيناً بإرادة طرف ثالث. والمشكلة لا تقف عند حدود الاعتماد على هذه الخوادم فحسب، إنما تمتد إلى بُعد قانوني خطير لا يحظى بما يكفيه من النقاش العام. فوفقاً لما وثّقته وزارة العدل الأمريكية في صفحتها الرسمية المخصصة لموارد قانون كلاود، فإن هذا القانون الفيدرالي الذي دخل حيز التنفيذ عام 2018 يُجيز لجهات إنفاذ القانون إجبار الشركات التكنولوجية العاملة على الأراضي الأمريكية على تسليم البيانات المطلوبة المخزّنة على خوادمها، بصرف النظر عن موقع تلك البيانات جغرافياً، سواء أكانت داخل الولايات المتحدة أم خارجها. وهذا يعني عملياً أن بيانات أي مواطن عربي مخزّنة على خوادم أمازون أو غوغل أو مايكروسوفت قد تكون في متناول السلطات الأمريكية. هنا تبرز فكرة السيادة الرقمية، وهي ليست مجرد مصطلح أكاديمي بقدر ما هي سؤال استراتيجي وعملي: هل نملك بياناتنا فعلاً؟ وهل يمكننا الوصول إليها وإدارتها بشكل مستقل تحت مظلة تشريعاتنا الوطنية؟ المملكة العربية السعودية نجحت في الإجابة عن هذا التحدي عبر خطوات سيادية ملموسة على أرض الواقع. ففي قراءة تحليلية لملف البنية التحتية الرقمية، وتزامناً مع اتفاقيات برنامج “شريك” الحكومي لتطوير مراكز بيانات متقدمة من المستوى الثالث (Tier III)، تتبنى المملكة استراتيجية وطنية طموحة تقودها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، تستهدف رفع كفاءة استضافة البيانات محلياً وتعزيز أمنها. هذا التوجه الذي عززته الدولة بإطلاق مشاريع عملاقة ومراكز بيانات ضخمة (Hyper-scale) مثل مركز “هيكساغون” والذي يعتبر أكبر مركز بيانات حكومي في العالم من المستوى الرابع (Tier-4) بقدرة 480 ميجاواط، لا يسهم فقط في حماية السيادة الرقمية للمملكة، إنما يمثل رافعة استثمارية نوعية تستقطب كبرى الشركات التقنية العالمية، وتضع السعودية كمركز إقليمي رائد للاقتصاد الرقمي القائم على البيانات في المنطقة. والأهم من الرقم هو المبدأ الذي يقف خلفه. ففي تقرير الجزيرة نت بعنوان: “السيادة الرقمية العربية.. هل نحن مجرد مستهلكي بيانات؟” نُقل عن رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي عبدالله بن شرف الغامدي قوله إن “السيادة الرقمية ليست خياراً، بل ضرورة لضمان ألا تُملى علينا قيم خوارزمية غريبة عن مجتمعنا”. وهذا يعني أن المملكة لا تبني خوادم لحماية البيانات فحسب، بل تبني هوية رقمية مستقلة. حين تنقطع الشبكة أو تتغير ظروفها، تبقى البيانات الحيوية -من سجلات صحية وملفات حكومية وأرشيف وطني- محفوظةً داخل الحدود، في مكان تملك الدولة مفتاحه وحدها. وهذا هو الفرق الحقيقي بين دولة تدير بياناتها ودولة تُدار بياناتها. بعض الدول أدركت هذا مبكراً، فبنت بيتها الرقمي على أرض صلبة، وعرفت كيف تحميه. والبعض الآخر لا يزال يراهن على ألا يحدث شيء، وهو رهان لا تحتمل تكلفته أمة تحترم مستقبلها. السيادة الرقمية هي قرار لا بد أن يُصنع اليوم قبل أن تفرضه الأحداث غداً.