في ظل التسارع الكبير الذي يشهده العالم على كافة الأصعدة، فإن المترتب على الإنسان هو مواكبة ذلك التسارع، ويأتي دور المشرع لتحديد وتيرة منضبطة من خلال سن الأنظمة اللازمة لضبط العلاقات والتعاملات. ثم إن ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام من جدل يتعلق ببعض الممارسات الصادرة عن بعض دور النشر، يجعلنا أمام تساؤل يثيره غياب العنصر القانوني في التعامل بين الكاتب ودار النشر، وهذا ملموس إلى حد التفشي، الأمر الذي يجعله محل معالجة ملحة. لا شك أنه في غالب التعاملات تكون دار النشر هي الطرف الأقوى، ومن ثم فإنها في مركز يجعلها تفرض الاشتراطات التي تناسبها، ولسنا في معرض مناقشة ذلك، ولكن أثر بعض تلك الاشتراطات قد يتجاوز حد الأخلاق في التعاملات وعند ذلك الحد يستحيل الضابط من كونه أخلاقيا إلى كونه قانونيا، فحينما يطلب الناشر إرسال نسخة المصنف دون أن يمنح الكاتب الضمانات اللازمة لحفظ حقوقه الفكرية فيما لم يتم الاتفاق على النشر فإن ذلك صميم تباين المراكز القانونية بحيث يطغى طرف على طرف آخر ويحدد الالتزامات بما يناسبه نظرا لقوة مركزه القانوني. - انعدام العنصر القانوني في عملية النشر. إن السبب الرئيسي في النزاعات الناشئة عن التعاملات العقدية هو غياب العنصر القانوني في مرحلة صياغة العقد، ففي حين أن العقد ينعقد بإرادة الطرفين المحضة، فإن ذلك لا يغني عن حاجة العقد لمختص يحدد التزامات وواجبات كل طرف، ويحدد مدى مواءمة العقد للنظام وعدم مخالفته له، والمتعامل مع دور النشر كذلك ليس متخصصا، فحينما يعرض عليه عقد لا يختلف في صياغته عن المصنف الذي يريد نشره، فإنه سيمضيه لأنه في رغبة جامحة حينها ليرى مصنفه مطبوعا، ثم تنشأ النزاعات فيما بعد وكل طرف يجهل ماله وما عليه فالكاتب يعتقد أنه أدى التزامه بدفع المقابل، والناشر يعتقد أنه أدى التزامه بطباعة المصنف، ولا شك أن ذلك له الأثر الكبير في إطالة أمد التقاضي لأجل تحديد التزام كل طرف. - ظاهرة الاكتفاء بإمضاء الراغب بالنشر. لا تقتصر المشكلة في عملية النشر على غياب العنصر القانوني أثناء التعاقد، بل يتعدى الأمر إلى طريقة بشعة في إنشاء الالتزام، بأن يزود الكاتب بالعقد ليمضيه ويعيد إرساله، وبعد إمضاء الكاتب، يتوارى الناشر خلف انشغالات تمنعه عن إمضاء العقد، بحيث يكون هذا التصرف مقيدا حق الاختصام لينحصر في مصلحة الناشر، وهذا التصرف لا يتواءم مع نظام التعاملات الإلكترونية، الذي نظم مسألة التعاقد الإلكتروني والتصديق الرقمي. - غياب ثقافة اتفاقيات عدم الإفصاح (NDA). بالنظر في حيثيات الجدل المتسع في وسائل التواصل الاجتماعي، فإننا نستنتج تخوف المتعامل مع دور النشر من ضياع حقوقه الفكرية كون الحديث حول النشر من عدمه يتطلب إرسال نسخة المصنف بدءاً قبل أي شيء آخر، وهذا التخوف يزول جذريا إذا تعاملت دور النشر مع ثقافة اتفاقيات عدم الإفصاح، وأبسط المتعاملين مع دور النشر يلمس غيابا شبه كلي لهذه الثقافة، بينما لو قام أي شخص بكتابة (NDA) في محرك البحث فسيجد نماذجا معتمدة تنشرها كل جهة وفي القطاع الحكومي وشبه الحكومي والقطاع الخاص، بما يعني أن تلك الثقافة متجذرة في صميم التعاملات النظامية في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي تفتقر له دور النشر لدينا وتشيح بنظرها عنه لأسباب مجهولة، ففي حين لو قررت دار نشر واحدة اتخاذ هذا الإجراء في تعاملاتها، فستجتث مشكلة الجدل الدائر في وسائل التواصل الاجتماعي. وفي ظل إنشاء هيئة الأدب والنشر والترجمة كجهة داعمة للقطاع، فالأمر تتصل معالجته برؤيتها، وثمرة هذا المقال هو تسليط الضوء على المشكلة واقتراح الحل المناسب لمعالجتها، فإن توحيد عقد النشر أصبح متطلبا سيخدم عملية النشر ويحفظ حق كل طرف، وإلزام المتعاملين ودور النشر باتفاقية عدم الإفصاح يعزز من مصداقية وموثوقية عملية النشر. *محامي