حماري الذي ظل حمارا.

كنت شديد الغيرة من رفاق طفولتي الذين يمتلكون حميرا ، رغم معرفتي أن امتلاكهم لتلك الحمير لم يكن من باب النغنغة أو الرفاه ، وإنما كان من منطلق حاجات ذويهم لاستخدامها في قضاء احتياجاتهم وضرورياتهم الحياتية والمنزلية ، كجلب الماء من الآبار ، أو تحميل حزم الحطب وسعفات النخيل الجافة التي تقتضيها الضرورة لإشعال النار في المواقد البيتية ، وأحيانا تأجيرها للمشاوير بين القرى المتباعدة ، أو بين ساحل وآخر لاستقبال قادم من سفر أو رحلة غياب ، أو توديع مسافر في طيات وجدانه لوعة الشوق وأحلام العودة إلى أهله وذويه ، وعناق الأرض الممزوج ترابها بالحنين إلى زوايا أزقتها وانعطافات شوارعها الضيقة وعبق غبار ترابها وأنيق ذكرياتها . بكيت كثيرا ، وكثيرا وذرفت دموعا غزيرة ثمنا لحصولي على حمار أشبع به شوق طفولتي إلى الركض ، ومباهاة الآخرين - ممن هم في مرحلة عمري - في تعداد مزايا حميرهم - التي يتباهون بها في أحاديث الطفولة - ويكون لاستعراض مهاراتهم في تلك الأحاديث نصيب . أسرتي لم تكن تهتم بتربية الدواب أو المواشي - خاصة إذا كانت تلك الدواب من الحمير - ويزيد إصرار عدم اهتمام أسرتي ٠بالمواشي ربة بيت من أفراد الأسرة ذات نفوذ ، وكلمتها سلطة مطلقة في شؤون الأسرة ، ويبدو أنها كانت مصابة بمرض اسمه ٠” النظافة “ فهي لاتريد أن ترى نشازا في نظام ترتيبها وعنايتها بالمنزل الذي كان يخضع لكلمتها وسلطتها المطلقة فكيف بها - والحالة هذه - أن تشم رائحة زريبة ، أو بقايا مخلفات في ساحة حوش بيتها أو بجوار منزلها ، أو في الطريق المؤدية إليه ، لكني استطعت - في نهاية الأمر - أن أستدر عطف وشفقة أحد أقاربي عندما أهداني “جحشا” صغيرا ، فرحت به فرحا شديدا رغم معارضة البعض من أفراد الأسرة ، خاصة تلك المرأة ذات النفوذ المطاع والكلمة المسموعة . فرحت مرتين ، إحداهما ، انتصار دموعي التي ذرفتها من أجل حصولي على الحمار ، وثانيهما ، تحقيق أمنية طفولتي في الحصول على ذلك الجحش الصغير ، خاصة وأنه في مرحلة تتناسب مع مرحلة طفولة عمري . بدأت أحلم بأن أجعل من ذلك الجحش - عندما يتقدم به العمر - حمارا يشبه حمار ذلك الرجل “ السقاء “ الذي لايمكن أن يدخل حمار تحت رعايته إلا وتظهر عليه آثار النعمة التي يعيشها . كنت - دائما - أسأل عن السر العجيب الذي يكمن وراء عافية حمار ذلك الرجل في مدة زمنية قصيرة .. البعض قالوا لي : إن السر في “ الحلبة “ التي يجعل حباتها “ حسوكا “١ لحماره كل مساء والبعض الآخر قالوا : إن ذلك يعود إلى “ التمر “ الذي تحول لونه إلى السواد بفعل مرور الزمن وتقادم العهد على تخزينه . آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا : إن السر في ذلك كله يعود إلى أن ذلك السقاء يصطاد الفئران الصغيرة التي لم تتفتح عيونها بعد ويعجنها مع التمر ثم يقدمها لحماره لكي “ يتحمير “ وفي زحام هذه الإشاعات والمقولات وجدت نفسي في حيرة إلى أي منها ألجأ . بفعل طفولتي الساذجة - ومن منطلق حبي لأن يكون لجحشي شأن بين الحمير مستقبلا - لجأت إلى كل الوسائل التي أوهمني الآخرون بها ، وأكثر من ذلك لجأت إلى تدليله وطبع القبلات الساخنة على جبهته الموشومة بغرة بيضاء كنت أزهو بها عندما يحين التفاخر بالحمير . بمقدار ما كان جحشي الصغير ينمو وتظهر عليه ملامح الفتوة الحميرية بمقدار ما كان فرحي الطفولي يكبر ، وإعجابي بآثار نعمة عنايتي به يزداد حتى بلغ مبالغ الحمير القادرة على تحمل المهام الموكلة إليه . اخترت له “ بردعة “ أنيقة و” شدا “ ٢ يليق بظهره الناعم ، وأوكلت أمر تدريبه إلى أحد المختصين بتدريب الحمير في هذه المرحلة من العمر ، وأوصيته به خيرا . أوصيت المدرب ان لايضع على ظهره شوكا ، وأن لا يجرح مؤخرته كما يفعل المدربون الآخرون بأمثاله ، ومكثت أتابع أخباره ، وأحيانا أحضر بعض فعاليات تدريبه ، لكني - في النهاية - أعود إلى منزلي محبطا لأني - من خلال مشاهداتي لتدريبه - لا أرى أثرا للنجابة عليه . ١- الحسوك : الحبوب التي تُعطى للدواب. ٢- الشد : مايضعه الراكب على ظهر الدابة للجلوس عليه .