حين يصبح الْوَهْمُ إجماعاً.

لا يخشى الإنسان الحقيقة بقدر ما يخشى الوحدة، قد يبدو هذا القول غريبًا للوهلة الأولى، لأننا اعتدنا أن ننظر إلى الحقيقة باعتبارها القيمة الأعلى التي يسعى إليها العقل البشري. غير أن تأمل التاريخ، ومراجعة تجارب المجتمعات، وحتى مراقبة سلوكنا اليومي، يقودنا إلى استنتاج مختلف مؤداه: الإنسان مستعد أحيانًا للتخلي عن الحقيقة إذا كان ثمنها العزلة، ومستعد للتمسك بالوهم إذا كان يضمن له الانتماء. ولهذا فإن أخطر الأوهام ليست تلك التي تسكن عقل فرد واحد، بل تلك التي تتبناها جماعة كاملة. فالخطأ الفردي يمكن أن يُصحَّح بالنقاش أو بالتجربة أو بالزمن، أما الخطأ الجماعي فيتحول إلى ثقافة، وتصبح مقاومته أكثر صعوبة من مقاومة الجهل نفسه. من السهل أن نتصور شخصًا يعيش وهمًا خاصًا به، لكن من الصعب أن نتخيل مجتمعًا بأكمله شركاء في الوهم ذاته. ومع ذلك فإن التاريخ الإنساني مليء بأمثلة تؤكد أن الجماعات ليست أكثر حكمة من الأفراد بالضرورة، بل قد تكون أكثر قابلية للانخداع منهم. فالإنسان عندما يكون وحيدًا يمتلك فرصة لمراجعة نفسه، أما حين ينتمي إلى جماعة فإنه يستعير منها يقينه، ويعفي نفسه من عبء السؤال. ولعل هذا ما يفسر ظاهرة غريبة تتكرر في كل عصر: كل جيل يعتقد أنه أكثر عقلانية من الأجيال السابقة، ثم يكتشف من يأتي بعده أن له أوهامه الخاصة أيضًا. فالبشر لا يتخلصون من الأوهام نهائيًا، بل يستبدلون أوهامًا بأخرى. المشكلة أن الوهم لا يقدم نفسه بوصفه وهمًا. لو فعل ذلك لما صدقه أحد. إنه يأتي مرتديًا ثوب الحقيقة، ومتسلحًا بلغة اليقين، ومحصنًا بدعم الجماعة. وحين يلتف حوله عدد كافٍ من الناس، يكتسب شرعية اجتماعية تجعله يبدو حقيقة لا تقبل الجدل. كما أن الجماعات لا تكتفي بإنتاج الوهم، بل تنتج آليات لحمايته. من هنا ينشأ أحد أكثر الأخطاء البشرية شيوعًا: الخلط بين الشائع والصواب. فالفكرة لا تصبح صحيحة لأن ملايين الناس يؤمنون بها، كما أنها لا تصبح خاطئة لأن قلة من الناس تؤمن بها. ومع ذلك فإن العقل البشري يميل بصورة غريزية إلى اعتبار الإجماع قرينة على الحقيقة. نحن نطمئن إلى ما يتفق عليه الآخرون، ونرتاب مما ينفرد به القليل. وعدم العلم هو السمة المخيمة لدى البشر. ولعل هذه الظاهرة ليست جديدة على الوعي الإنساني، فقد أشار القرآن الكريم في عدة سور، حيث قال الله تعالى “بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون” الآية 24 – سورة الأنبياء. وقال تعالى “ ولكن أكثرهم لا يعلمون” سورة الدخان – الآية 39. وفي الآية 21 من سورة يوسف قال “ ولكن أكثر الناس لا يعلمون” وقد أكد الله تعالى بأن أكثر الناس لا يعلمون في 20 آية من القرآن الكريم. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام “الناس ثلاثة: عالِم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق”. وهذا الميل مفهوم من الناحية النفسية. فالإنسان كائن اجتماعي، وقد تطور عبر آلاف السنين داخل جماعات كان الانتماء إليها شرطًا للبقاء. لذلك لا يشعر بالأمان عندما يخالف القطيع، حتى لو كانت الأدلة إلى جانبه. إن الخوف من العزلة أحيانًا أقوى من الرغبة في المعرفة. ولهذا لم يكن كثير من المصلحين والمفكرين والعلماء ضحايا جهل معاصريهم بقدر ما كانوا ضحايا يقينهم. فالجاهل قد يستمع ويتعلم، أما المتيقن لا يرى حاجة إلى التعلم أصلًا. وحين يتحول اليقين إلى هُوِيَّة، يصبح التشكيك فيه اعتداءً شخصيًا لا مجرد نقاش فكري. إن معظم الصراعات الفكرية الكبرى لم تكن صراعًا بين الحقيقة والكذب، بل بين يقينين متعارضين. فكل طرف يرى نفسه حارسًا للحقيقة، ويرى الطرف الآخر غارقًا في الضَلال. وفي خضم هذا الصراع تضيع الحقيقة نفسها، لأن الجميع يتحدث باسمها، وقليلون فقط يبحثون عنها. والأمر لا يقتصر على السياسة أو الدين أو الفلسفة. حتى في الحياة اليومية، يمارس الناس هذه الآلية باستمرار. كم من فكرة تبنيناها لأن محيطنا يؤمن بها؟ وكم من رأي رفضناه لا لأنه خاطئ، بل لأن الجماعة التي ننتمي إليها لا تقبله؟ وكم من موقف دافعنا عنه سنوات طويلة ثم اكتشفنا لاحقًا أننا لم نفحصه أصلًا؟ إن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له عدسات خبراته ومخاوفه ورغباته أن يراه. وهذه العدسات ليست فردية فقط، بل جماعية أيضًا. فكل مجتمع يملك مجموعة من المُسَلَّمَات التي تبدو لأفراده بديهية، بينما يراها غيرهم محل نقاش. ولذلك فإن ما يبدو طبيعيًا في ثقافة ما قد يبدو غريبًا في ثقافة أخرى. وحين ندرك هذه الحقيقة، نفهم أن الثقة المطلقة بآرائنا ليست علامة قوة، بل قد تكون علامة على ضيق عدسة رؤيتنا. فكل إنسان أسير زاوية نظر متفردة، وكل جماعة أسيرة سردية متوهمة، وكل عصر أسير افتراضات معينة. وما نراه اليوم بديهيًا قد يراه أحفادنا غدًا ضربًا من السذاجة. لكن لماذا تنتصر الأوهام الجماعية بهذه السهولة؟ لأن الحقيقة بطبيعتها لها استحقاقاتها التي قد تكون مكلفة، بينما الوهم يعطي بسخاء. الحقيقة تطلب من الإنسان أن يراجع نفسه، وأن يعترف بأخطائه، وأن يتحمل القلق الناتج عن عدم اليقين. أما الوهم فيمنحه راحة فورية. إنه يفسر كل شيء، ويجيب عن كل سؤال، ويمنح صاحبه شعورًا بالتماسك والسيطرة. الحقيقة تقول: ربما تكون مخطئًا، أما الوهم فيقول: بالتأكيد أنت على صواب. الحقيقة تدعو إلى التواضع، والوهم يغذي الغرور. الحقيقة تفتح باب السؤال، والوهم يغلقه. ولهذا تبدو الأوهام أكثر جاذبية في كثير من الأحيان. إنها لا تتطلب جهدًا معرفيًا كبيرًا، ولا تفرض مراجعة مؤلمة للذات. إنها تمنح الإنسان ما يريد سماعه، لا ما يحتاج إلى سماعه. وفي هذه الحقبة التي استحكمت فيها وسائل التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي ازدادت هذه الظاهرة وضوحًا. فالتقنيات الحديثة لم تخلق الانحيازات البشرية، لكنها منحتها أدوات أكثر قوة وانتشارًا. أصبح الإنسان قادرًا على بناء عالم كامل من الآراء المتشابهة التي تؤكد قناعاته باستمرار. وهكذا يتحول الرأي إلى يقين، ويتحول اليقين إلى هُوِيَّة، وتتحول الهُوِيَّة إلى جدار يفصل الإنسان عن أي احتمال آخر. ونتيجة لذلك أصبح أكثرنا يعيش داخل غُرَفٍ فكرية مغلقة، يسمع فيها الأصوات نفسها، ويقرأ الأفكار عينها، فيتراكم اليقين نفسه يومًا بعد يوم. وفي مثل هذه البيئة لا تحتاج الفكرة إلى أن تكون صحيحة كي تنتشر، بل يكفي أن تكون مريحة. الحقيقة ليست محطة نصل إليها ثم نستريح، بل طريق نسير فيه باستمرار. إنها ليست ملكية خاصة لأحد، ولا جائزة نهائية يحصل عليها المنتصر في الجدل. الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد، وأوسع من أن تستوعبها جماعة، وأعقد من أن تختزلها أيديولوجيا واحدة. ولعل أعظم فضيلة عقلية ليست الذكاء، بل التواضع المعرفي. أن يدرك الإنسان أن ما يعرفه أقل – بكثير- مما يجهله. وأن يحتفظ بمسافة كافية بينه وبين قناعاته. وأن يسمح للأسئلة بالبقاء حية داخل عقله. ليس المطلوب أن نشك في كل شيء، ولا أن نهدم كل يقين. فالحياة لا تستقيم بلا قدر من الثقة والاقتناع. لكن المطلوب أن ندرك أن القناعة ليست معصومة، وأن الرأي ليس مقدسًا، وأن الخطأ احتمال يرافق الإنسان ما دام إنسانًا. إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تدعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل تلك التي تسمح بمراجعة نفسها. فالحضارات لا تنهار بسبب قلة الإجابات فقط، بل بسبب اختفاء الأسئلة أيضًا. وعندما يصبح السؤال جريمة، ويتحول الشك إلى تهمة، يبدأ العقل في الانكماش، ويبدأ الوهم في التورم. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال هو: من يملك الحقيقة؟ فلا أحد يملكها كاملة. بل السؤال الأهم هو: من يملك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه؟ فالوهم يبدأ عندما نتوقف عن السؤال، لكنه يتحول إلى قوة مدمرة عندما يتوقف مجتمع كامل عن التساؤل. عندها لا يصبح الخطأ رأيًا فرديًا، بل يتحول إلى يقين جماعي، ويصبح الوهم إجماعًا. ولعل الإنسان – في كثير من الأحيان – إذا وُضع بين حقيقةٍ تُمَيِّزُه ووهمٍ يضمّه إلى الجماعة، اختار الوهم، لا لأنه أصدق، أو أنبل، أو أجمل، بل لأنه أقل كلفة وأخف حمولة. فالخطأ قرين الإنسان ما دام إنسانًا، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن نخطئ، بل في أن نتفق جميعًا على الخطأ، ثم نُلْبِسه ثوب الحقيقة.