حلاوة النصر!

لا تزال حلاوة حصول النصر على بطولة الدوري لهذا الموسم عالقة بأقصى الحلق وطرف اللسان؛ فأي مشروب أتناوله وأي طعام أتذوّقه يمرّ عبر هذه القناة التي تشبه معبرا  عليه أعلام صفراء؛ وورود في حديقة غناء، وهو ما أسمّيه، في قواعدي النفسية الخاصة، بمذاق المزاج. ومذاق المزاج لمن يريد التعرف عليه في مدونة التحليل النفسي، الخاصة بي أيضا،  هو ذلك الشعور الخفيّ اللذيذ الذي يجعلك تتصالح مع العالم من حولك لمجرّد أنك ظفرت بلحظة فرح غامرة، في أي سياق من سياقاتك الاجتماعية، فترى كل العالم من المنظور السعيد دون أن تُسقِطَ أًو يُسقِطَ عليك أحد، نائيا عن الدخول في شغب كلامي مع المنافسين الآخرين؛ فمزاجك الخاص لا يسمح لك بغير الإيغال في ذاتك المطمورة تحت ركام الإحباطات القديمة، كما أن انشغالك بالانغماس في رغوة صابون الفرح يصرفك عن وحل الكلام البائس. ويزداد المزاج نشاطا وفرحا مع إعادة شريط الأهداف الأربعة في المباراة الأخيرة التي كانت مع ضمك. يبدو الهدف الأول في هذه الاحتفالية كأوّل مذاق من علبة الشوكولا، وهي اللعقة الأولى التي قدّمها لنا ساديو ماني كما هي عاداته في افتتاح شريط الفرح. ثم يأتي الهدف الثاني بقدم كومان الأنيق، وبمذاق أكثر حلاوة، إلى أن ختم رونالدو الحفلة بهدفين كانا أشبه بشريطين أصفر وأزرق على ورق السولفان المذهّب. هنا عدت بذاكرتي إلى رمية التماس في مباراة الديربي التي أوشك أن يحسمها النصر أمام الهلال؛ فسعدت  أنّها حدثت على ذاك النحو من السيناريو العجيب، رغم شدة مرارتها في ذلك الحين؛ لكننا لم نكن نعلم عما وراء قشرة الجوز من حلوى كانت مخبوءة في عمق تلك اللحظة. وكما يرى الفيلسوف الرياضي سايمون كريتشلي أن كرة القدم هي النموذج الأوضح الذي تظهر فيه حكمة القدر بطريقة لافتة؛ فلو لم تحدث رمية لاجامي الطائشة بحسب منظورنا القاصر لما حدث للنصر ما حدث من بهاء في ليلة التتويج التي رصدها العالم بأكثر من مليار مشاهدة، ولربما طويت هذه الليلة في ليلة حسم باردة رغم شدة القيظ ووقدة الصيف! هكذا تعلّمنا كرة القدم كيف نتذوّق حلاوتها بعد مرارة سابقة هي من أمتع ما تجده من هذه اللعبة في طباق بلاغي لا تعيشه واقعا إلا حين تعي أنّه جزء من تجربة الجمال وشرط من شروط الجدّ واللعب على حدٍّ سواء.