عبده خال..

الموتُ الذي يمرّ من هنا دائماً.

منذ أن فتح عبده خال الباب الكبير لروايته الأولى، بدا وكأنه لا يكتب الحكاية كونها تسلية، بل باعتبارها منطقة اعتراف طويلة، وممراً مكتظاً بالألم البشري، والخذلان، والوحشة، والعنف المختبئ خلف الوجوه اليومية. لم يكن روائياً منشغلاً بتجميل العالم، بل بتعريته، وكشف ما يختبئ تحت جلده من قسوة، ولهذا جاءت رواياته دائماً كأنها أصوات تصدر من قاع اجتماعيّ وروحيّ شديد العتمة. عالمه الروائي ليس مريحاً، ولا يسعى أصلاً لأن يكون كذلك، إنه عالم يضع القارئ أمام هشاشة الإنسان، وجوعه، وانكساراته، وأحلامه التي (تتعفّن) ببطء داخل الأزقة والمنازل والذاكرة. حين كتب «الموت يمر من هنا»، بدا وكأنه يضع يده مباشرة على رقبة الحياة نفسها. تلك الرواية لم تكن مجرد سرد لأحداث وشخصيات، بل كانت كتابة متوترة عن الكائن المهدد في كل لحظة، عن الإنسان الذي يعيش وهو يشعر بأن الموت يسير بمحاذاته، يراقبه، ويبتسم له أحياناً. لدى عبده خال قدرة نادرة على جعل الرعب إنسانياً، وعلى تحويل الألم إلى مادة جمالية دون أن يفقد قسوته الأصلية. لذلك تبدو شخصياته دائماً كما لو أنها خارجة من طبقات مهملة، لكنها تحمل داخلها ثراءً نفسياً مرعباً. إنه يكتب الشخصيات لا بوصفها أسماء داخل الرواية، بل ككائنات حيّة تتنفس وتخطئ وتنهار وتشتهي وتنتقم. شخصياته لا يمكن نسيانها بسهولة، لأنها لا تأتي مكتملة أو مثالية، بل متصدعة، غامضة، ومليئة بالندوب. هناك دائماً شخص (ما) في رواياته يحمل خراباً داخلياً عميقاً، ويحاول أن يعيش على الرغم من كل شيء. وهذا ما يمنح عالمه تلك الكثافة الإنسانية النادرة، إذ لا يكتب الإنسان من الخارج، بل من الداخل المظلم الذي يخشاه الجميع. ولأن عبده خال ابن بيئة اجتماعية مليئة بالتناقضات، فقد استطاع أن يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تصنع المأساة الكبرى. يعرف كيف يجعل من زقاق ضيق كوناً كاملاً، ومن بيت بسيط حقلاً للأسرار، ومن الصمت جريمة مؤجلة. لا يعتمد على الحيلة السردية بقدر اعتماده على التوتر النفسي واللغة المشبعة بالإحساس. حتى حين تبدو جمله هادئة، فإن تحتها دائماً بركاناً من القلق والأسئلة. في مشروعه الروائي تبدو (الغرائبية) جزءاً من الواقع لا نقيضاً له. الشخصيات الغريبة عنده ليست استثناء، بل نتيجة طبيعية لعالم مختل. لذلك لا يشعر القارئ بأن غرابة أبطاله مفتعلة، إنها امتداد طبيعي للقهر، والعزلة، والفاقة، والتشوهات الاجتماعية. وكأن عبده خال يقول إن المجتمعات القاسية لا تنتج بشراً عاديين، بل كائنات مثقلة بالجنون، والخوف، والرغبات المعطوبة. وحين نقترب أكثر من لغته، نكتشف أنه لا يكتب بلغة متباهية أو متورطة في (الزخرفة)، بل بلغة تعرف كيف تنفذ إلى الجسد مباشرة. لغته حادة أحياناً، شعرية أحياناً أخرى، لكنها في الحالتين مشبعة بالحياة. يعرف كيف يصنع صورة موجعة من تفصيل صغير، وكيف يحوّل المشهد العابر إلى لحظة لا تُنسى. والأهم أنه يمتلك صوتاً خاصاً يمكن تمييزه من أسطر قليلة، وهي ميزة لا يصل إليها إلا الروائيون الحقيقيون الذين يكتبون انطلاقاً من رؤيتهم لا من الموضات السردية العابرة. لقد دخل عبده خال إلى الرواية السعودية من الباب الصعب، باب المغامرة الفنية والاشتباك مع المسكوت عنه. لم يكن معنياً بإرضاء أحد، بل بإنتاج أدب يمتلك صدقه الخاص. ولهذا جاءت أعماله محمّلة دائماً بروح التمرد على السائد، وعلى الأقنعة الاجتماعية، وعلى كل ما يحاول إخفاء البشاعة الإنسانية خلف الشعارات. حتى حين يكتب عن الحب، فإنه يكتبه بوصفه منطقة نقص وخوف، لا بوصفه خلاصاً كاملاً. في تجربته الروائية أيضاً حضور كثيف للجسد، الجسد المتعب، الجائع، المهان، والراغب في النجاة. وهو حضور لا يأتي للاستفزاز، بل بوصفه جزءاً من حقيقة الإنسان. لذلك تبدو رواياته مأهولة بالحواس، بالروائح، بالتفاصيل الخشنة، وبذلك الاحتكاك المباشر بين الإنسان والعالم. القارئ لا يقرأ روايات عبده خال فقط، بل يشعر بها على جلده. وربما لهذا السبب استطاع أن يخلق علاقة خاصة مع القارئ العربي، فالقارئ لا يدخل إلى نصوصه بوصفه متفرجاً، بل شاهداً على خراب إنساني واسع. كل رواية عنده تبدو كأنها محاولة لفهم لماذا يتحول البشر إلى هذا القدر من القسوة، ولماذا تبدو الحياة أحياناً وكأنها فخ طويل لا باب للخروج منه. ومع مرور السنوات، لم يتحول عبده خال إلى اسم مستهلك داخل المشهد الثقافي، بل بقي محتفظاً بذلك القلق الإبداعي الذي يصنع الكاتب الحقيقي. لم يكتب ليكرر نفسه، ولا ليؤكد نجاحاً سابقاً، بل ظل يبحث عن مناطق جديدة للألم والسؤال والدهشة. وهذا ما يجعل تجربته واحدة من أكثر التجارب الروائية السعودية فرادة وتأثيراً. إنه روائي يعرف أن الأدب ليس (حفلة) ثقافية، بل مواجهة. مواجهة مع الذات، ومع المجتمع، ومع الذاكرة، ومع الموت الذي يمر من هنا دائماً. (*) كاتب وصحافي سعودي