حيــن يأتي الفـــرج.

‏مدخل : ‏ليست كل الحكايات تُروى لتُحكى، بل لتُوقِظ فينا شيئًا منسيًا .. ‏وهناك قصص لا تنتهي عند زمنها، بل تمتد في أرواحنا كلما ضاقت بنا السبل .. ‏وحكاية هاجر ليست مجرد سعيٍ بين جبلين، بل سعيُ قلبٍ بين الخوف واليقين، بين العطش والرجاء، بين ما نراه وما نؤمن أنّ الله قادرٌ عليه. ‏في تلك الصحراء القاحلة، حيث لا ظلّ ولا ماء، وُلد معنى الفرج .. كوعدٍ إلهيٍّ يتأخر ليُعلّمنا أن نثق، ويأتي ليُدهشنا. ‏ومن هنا تبدأ الحكاية .. ‏- كانت هاجر تمشي، لا كمن يمشي فقط بل كمن يُصارع الفراغ .. ‏تعدو بين الصفا والمروة، وقلبها يسبق قدميها، وعيناها تبحثان عن وعدٍ صغيرٍ يكفي ليؤجل الانكسار .. ‏كانت الأرض صامتة، والسماء بعيدة، والعطش يعلو في صدر طفلها كأنّه سؤالٌ لا جواب له. ‏لم تكن تريد معجزة ، كل ما تمنّته قِربة ماء، ‏جرعةً تُسكت بها خوفها، وتُهدّئ بها رجفة الأمومة حين تضيق. ‏لكن الله، حين يعطي، يُعطي بسخاء وافر ، ‏نحن نطلب قدر الحاجة، وهو يمنح بفيض الرحمة. ‏فما إن أرهقها السعي، وانكسر الصوت في حلق الدعاء، ‏حتى تفجّر من تحت قدمي اليأس نبعٌ لا ينضب .. ‏كأنّه قلب الأرض حين قرر أن يحنو .. ‏هكذا يأتي الفرج .. لا من حيث نُرتّب له الطريق، ‏ولا بالحجم الذي تخيّلناه، ‏بل كدهشةٍ تُربك الحزن، وتُربّي فينا يقينًا جديدًا. ‏إن الله لا ينسى الخطوات المتعبة، ولا الدموع التي سقطت بصمت، ولا الرجاء الذي ظلّ واقفًا رغم كل شيء. ‏قد نظن أن السعي طال، وأن الطرق أغلقت، ‏وأننا نركض بين صفا الألم ومروة الانتظار بلا جدوى .. ‏لكن في لحظةٍ واحدة، قد يتحوّل التعب كلّه إلى بداية نبعٍ صافي .. ‏فاطمئن.. ‏فالذي أخرج الماء من قلب الصحراء، قادرٌ أن يُخرج الفرج من قلب ضيقك. ‏الله سبحانه وتعالى قريبٌ ، هو أقرب مما تظن، ‏مخرج : ‏وهكذا لا تبقى الحكاية حكاية هاجر وحدها .. ‏بل تصبح مرآةً لكل قلبٍ أرهقه السعي، وأثقلته المسافات بين الرجاء والانكسار. ‏فكلٌّ منّا له صفاه ومروته، ‏وله لحظاته التي يظنّ فيها أن لا ماء في الأفق، ‏وأن الدعاء قد طال طريقه في السماء. ‏لكنّ زمزم لا تنضب .. كما لا ينضب وعد الله. ‏سيأتي الفرج، ربما متأخرًا كما نراه، ‏لكنه يأتي في وقته الذي يُحيي فينا ما كاد أن يموت، ‏ويُخبرنا، بصوتٍ خفيّ: أنّ الله كان معنا طوال الطريق .. ‏حتى ونحن نظن أننا وحدنا .. منصة x : @WKhutifi