محمد رجب البيومي أحدٌ كبارِ الأدباء الذين خُتِمَ بهم عصرُ النهضةِ الأدبيةِ المعاصرة، ولد (عام1923م)، في محافظة الدقهلية بمصر، ونال عالمية الأزهر، ثم الدكتوراه في الأدب والنقد. دَرَّسَ في المدارس الثانوية، ثم في كلية اللغة العربية، فرئيسًا لقسم الأدب والنقد، فعميدًا لكلية اللغة العربية بالمنصورة، وأستاذًا بقسم الأدب والنقد بجامعة الأزهر، وأستاذًا بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. كتب في مجلة الرسالة، وفي مجلة الأزهر، والهلال، والثقافة، والأديب اللبنانية، والفيصل، والعربية، وعديد الصحف والمجلات الأخرى، وأسلوبه طَيِّعٌ مسترسلٌ مطبوع، لا تصنُّعَ فيه ولا نشاز، يجري على الورق جريان الماء الزلال، كما يصفه الدكتور حمد الدخيل. كتب ونشر وهو طالبٌ في المعهد الأزهري، ولكنَّ نبوغَه الأدبي المبكر قُوبِلَ بالتوبيخ، والفصل من المعهد، لأنه كتبَ مقالةً عن (جميل بثينة) ونُشرت بعنوان: (شهيدُ الحُبِّ)، وما كان للمحبِّ أن يكون شهيدًا؛ في نظر مدير المعهد!! ولا شكَّ أن هذه الصدمة المبكرة أثَّرَتْ في مسيرته الأدبية، فما زال يعدُّ الكتابة في الحُبِّ مجازفةً حتى آخر عمره؛ فهو يقول في مقالة نشرها في مجلةِ الهلال: “أرسلتُ مقالًا عن (الحب الصامت) فحدثني [مدير تحرير مجلة الهلال] تليفونيًّا أنه سيجازف بنشر هذا اللون، وقد تفضل فنشر المقال مشكورًا في عدد الهلال (أكتوبر1983م)... ولكنى امتنعت أن أسترسل في هذا المنحى كيلا تكون هناك مجازفة أخرى، وأكبر الظن أنه خاف عليَّ إذ أتحدث عن الحب، وأنا عَالِـمٌ أزهري”. ثم اعتذرَ لنفسه بقول أحمد مُـحَرَّم: ما يصنعُ القلبُ الطروبُ إذا الهوى بَلَغَ القرارَ وجالَ في الأعماقِ؟ ورجب البيومي كما يصفه تلميذه الدكتور علي زين العابدين الحسيني: “رجلٌ مسجورُ العاطفةِ، رقيقُ الطبع، صادقُ المشاعر، يُبصرُ الجمالَ، ويَنشُدُ الحُبَّ، فإذا تكلم في الحب وأربابه كان كلامه تعبيرًا صادقًا، وتصويرًا ناطقًا لأحاسيسه”، وهذا الجانب خفيٌّ في حياته، ونتاجه، على أنَّه لو تفرَّغ للكتابةِ فيه لبذَّ القائلين، وسبق المتفننين فيه، غيرَ أنَّه اشتغل بجوانب أخرى مِن أَضْرُبِ الأدب، كالتراجم للأدباء والمفكرين، بموسوعية وأمانة تتأبى على الانحياز. وبرغم تنكبه عامدًا الكتابة في الحب شعرًا ونثرًا، إلا أن فجيعته برحيل زوجته ألزمته التعبير عن بعض نفثات قلبه، وزفرات صدره، ونفحات حبه؛ فرثاها وبكاها بقصائدَ جَمَعَ بعضَها في ديوانٍ سماه: (حصادُ الدمع)، تضمن عيونًا من رثاء الزوجة، افتتحه بإهداء قال فيه: “إلى روح زوجتي.. في فردوسها البهيج”، وتبعه بمقدمة تقطر حزنًا وأسىً، والشاعرُ في سائر قصائد الديوان قلبٌ يذوب في دمعٍ يسيل؛ ومنها: أتكتُمُ ما تلقاه أم أنت بائحُ رويدَكَ قد نـَمَّتْ عليكَ الملامحُ تظاهرتَ بالسلوانِ تُرْضِـي صحابةً شديدٌ عليهم أنَّ دَمْعَكَ سافِحُ ومنذ وفاة زوجته (عام1973م)، وحتى رحيله (عام2011م)، عاش محزونًا، آسفًا حتى أنه لم يعد يتجه بجهد التأليف إلى ما يستدعي البحث والتحليل، والتحقيق العلمي، وقد صَرَّحَ بذلك في مقالة له عن (أم كلثوم) نشرتها مجلة الأديب اللبنانية؛ فقال: “وقد اعتدتُ منذ رَحَلَتْ زوجتي الحبيبة إلى عالم الصفاء ألا أتعب نفسي في بحوث مركَّزة تستعينُ بالمراجع وتفيضُ بالتحليل، فإن ما يستلزم ذلك من الهدوء المتمهل والنظر المتأمل يعزُّ على مثلي في مُصابه، إنما أكتفي بذكريات عابرة أنقلها عن نفسي دون تنميق”. ولكنه قد أخلصَ فيما مضى من عمره في طلب العلم، والتعليم، والبحث، والتأليف، فهو كما وصفه الدكتور محمد مهدي علام في مجلة الرسالة، (عام1966م): “رجلٌ وهبَ نفسَه للعلم والتعليم؛ يُعلِّم نفسَه، ويُعلِّم تلاميذَه، ويفيدُ قراءه.. ويكفي في تقديره شهادة الأستاذ أحمد حسن الزيات له؛ بأنه في طليعةِ كُتَّابِ الرسالة”. وقد كان ذا صلاتٍ وثيقة بأدباء عصره، على اختلاف مشاربهم، برغم تبنيه الأدب الأخلاقي، في كتاباته، ودراساته، وسائر أطروحاته؛ إلا أنه واسع الأفق، بريء من التعصب، سليم الصدر، يقظُ الضمير. فكانت ثمرة إخلاصه لهذه المجالات العلمية أن ترك إرثًا علميًا ضخمًا؛ قاربَ الستين كتابًا، ما بين الدراسة التاريخية، والأدبية، والمقالات، والتراجم، والسير الغيرية، والذاتية، والدواوين، والمسرحيات، والقصص التاريخية، وقصص الأطفال، وغيرها من ضروب الأدب؛ وختمها بكتاب (ظلال من حياتي) الذي ضمَّ لمحاتٍ من سيرته الذاتية. وَتَغْلِبُ على البيومي طِباعُ أهل البادية؛ فهو مُتَّسمٌ بالرجولة، والكرم، والوفاء، والشهامة، وإباء الضيم، طبعًا لا تَطَبُعًا، ويعزو تلميذه الـحُسيني ذلك لالتصاقه بالشعر الجاهلي، والتراث العربي، ومقاربته معاني حياة البادية خلال إقامته في الرياض أربع سنوات من سبعينيات القرن العشرين، وقد أثمرت تلك السنوات الأربع علاقات ممتازة بالأدباء السعوديين، وبالمجلات والصحف السعودية، وبالأندية والمنتديات في مدن المملكة، التي استضافته، وكَرَّمَتْهُ، وأسهمتْ في طباعة ونشر كتبه. ومع أنه نالَ جوائز وتكريمات عديدةً، وقُدِّمتْ عن حياته وأدبه عديدُ الاطروحات للماجستير، والدكتوراه؛ إلا أنها لا تكافئ ما يستحق من الخلود، والحضور في محافل الأدب، وذاكرة المتأدبين، والدارسين، والناشئة، وحسبُه نكرانًا أن أهم معاجم الأدباء المصريين قد أغفلت اسمه؛ كـ(معجم تراجمِ أعلام الثقافة العربية)؛ الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والبيومي قد حصد معظم جوائزه في ستينيات القرن العشرين، وكذلك أغفله (معجم حمدي السَّكُوت)، برغم أن المعجمَين تضمنا تراجمَ لمن لا يملك معشارَ آثاره.