قراءة تأملية في ديوان«شرود مؤجل» للشاعر عبدالمجيد الموسوي ..

حينما يكون التنوع سمة للشعر .

أقدم هنا وقفات تأملية حول ديوان “شرود مؤجل” للشاعر عبد المجيد الموسوي، وهو شاعر سعودي له حضور أدبي مشهود، فهو عضو في عدد من الكيانات الأدبية منها منتدى الينابيع الهجرية الأدبي وجمعية ابن المقرب للتنمية الثقافية بالدمام، وهو عضو مؤسس ومسؤول العلاقات العامة في خيمة المتنبي بالأحساء.. ولجودة شعره، وتميز تجربته فقد حظيت أعماله الشعرية بعدد من الدراسات والتراجم من كيانات أدبية ومن نقاد وأدباء من داخل المملكة وخارجها. ظل شاعرنا حاضرا في المشهد الأدبي؛ حيث شارك في عدد من الأمسيات الأدبية والشعرية داخل المملكة وخارجها. فازت بعض قصائد الديوان بجوائز مثل قصيدة “شاعرٌ يقطف الدهشة من شجر المجاز”، وقصيدة “كانت تمشِّطُ شَعْر الصبر”. الديوان لوحة فسيفسائية؛ إذ يعد التنوع هو السمة الغالبة التي تصبغ هذا الديوان؛ حيث برز التنوع في كل شيء؛ مما أدّى إلى تحفّز القارئ، وشد انتباه المتلقي الذي يجد في كل قصيدة شيئا مختلفا متنوعا، يُبقيه في أعلى درجات التركيز. عتبة العنوان من أهم العتبات في أي نص، فعنوان الديوان “شرود مؤجل”، أتناوله من جميع المستويات التي يدرس بها العنوان نقديا: معجميا: “شرود” مصدر -من “شرد”- بمعني نفور واستعصاء وابتعاد، و”مؤجل” اسم مفعول من “أُجّل” بمعنى مؤخر. تركيبيا، فالعنوان مكون من خبر ونعت، فالخبر هو “شرود”، والنعت هو “مؤجل”، وتقدير المبتدأ” هو” أو “هذا” ويمكن أن نقدر الخبر، فتصبح كلمة” شرود” مبتدأ لخبر محذوف. دلاليا نلمح الشرود بكل معنى الكلمة، وهذا الشرود ليس حادثا الآن، وإنما شرود مؤجل، لكنه منتظَر. ثم نقف عند الإهداء الذي جاء مختلفا من ناحيتين: الأولى أنه جاء شعرا، وليس نثرا، كما هو متبع، والثانية أنه أهدى المجموعة الشعرية لابنه “محمد”. ثم ينقلنا الشاعر إلى عتبة أخرى في الديوان، وهي التي أسماها العتبة الثانية، محتواها الحديث عن الشعر واقعًا وتاريخًا، وكأني به أراد أن يهيئ المتلقي، ويأخذ بيد القارئ خطوة خطوة للولوج إلى مضمون الديوان. اشتمل الديوان على زهاء ثلاثين قصيدة كُتبت في مدة ثلاثة عشر عاما، ففي هذه المدة التي ليست بالقصيرة من الطبيعي أن تتنوع تجارب الشاعر وتتعدد خبراته، وتتمرحل أفكاره. افتتح شاعرنا ديوانه بمقطوعة عن الشعر، كأنه يعرّفنا برؤيته للشعر، ويبين لنا ماذا يمثل له الشعر، حيث قال: الشعرُ: نافذتي البكرُ التي انفتحت على الحياة كضَـوءٍ حين ينبثقُ الشعرُ، ما الشعر؟ بحَّارٌ، وزورقهُ وشاطئٌ جانباهُ: الحبُّ والعبقُ وجاءت بعدها قصيدته المهداة إلى الشاعر جاسم الصحيح الذي وصفه بأنه يقطف من شجر المجاز. في الشكل تنوعت قصائد الديوان بين الشعر العمودي كما في قصيدة “يرحل ليبقى” وشعر التفعيلة كما في قصيدة “حب على قارعة الأمل” كذلك تنوعت البحور التي نظم عليها شاعرنا ديوانه فالمتأمل يجده قد وظف معظم البحور الشعرية. وكما نوّع في البحور فقد نوّع في القوافي، فقد تمكن من توظيف معظم حروف العربية بكل حمولاتها وخصائصها، وكان بارعا في ذلك؛ حيث اختار حرف الروي الملائم –حسب خصائصه اللغوية المعروفة- لمضمون القصيدة وغرضها. تميزت قصائد شاعرنا بالقدرة على التصوير، وبالخيال المحلق، ومن تلك الصور قوله في قصيدة “ذكر” في صورة تشبيهية، بارعة الخيال، فائقة الجمال: وغانيةٌ كأن الجيدَ منها جُمانٌ هائمٌ يُغري ودرُّ وغيرها كثير مثل الاستعارات المدهشة “نستنشق الحب” في قوله: كُنَّا نُلملِمُ - لا ندري - حَقائِبَنا نستنشقُ الحُبَّ في حُضنِ المَحطَّاتِ التي حوت –غير الاستعارة- تراسل الحواس؛ إذ جعل الحب شيئا يستنشق كالعطر، ولا يُحس فقط. ونمضي مع تلمّس التنوع في ديوان شاعرنا؛ حيث نلمس التنوع في الأغراض الشعرية لدى الشاعر في هذه المجموعة الشعرية؛ حيث طرق معظم أغراض الشعر؛ إذ حوى الديوان قصائد في الغزل كما في قصيدة “بوح” وأخرى وطنية مثل قصيدة “وطن ملائكي الثرى” وأخرى في الرثاء كما في قصيدة “يرحل ليبقى” وبعضها في قضايا اجتماعية مثل: “ اللهُ يا قلبًا مع الفقراءِ “ وأخرى في التأمل، وأخرى في الوصف ... تنوعت لغة الديوان وفقا لغرض القصيدة، فجاءت قوية جزلة حينما يتحدث عن الدين أو الوطن، ورقيقة عذبة حينما يكون الموضوع غزلا. كما تنوعت قصائد الشاعر طولا وقصرا، فهناك قصائد طوال مثل: “شاعرٌ يقطفُ الدهشةَ من شجرِ المجاز”، “حكاية نخلة” وأخرى قصيرة، مثل: “همس”، “بوح” ، “وطن” ... قيل إن الإنسان ابن بيئته فما بالك بالشاعر؟ تأثير المكان يبدو جليّا لدى شعراء الأحساء ومنهم جاسم الصحيح وحوراء الهميلي وحيدر العبدالله وتهاني صبيح، فتجد الأحساء ماثلة في شعرهم، ومتجسدة في ثنايا أبياتهم، بكل تاريخها وآثارها ونخيلها، فلو تناولنا النخلة بوصفها محركا لشعراء الأحساء، ومحفزا لصوغ التجربة الشعرية، فالأحساء-حسب اليونسكو- أكبر واحة نخيل في العالم. وضربنا مثالا بالشاعرة حوراء الهميلي وشاعرنا عبدالمجيد الموسوي، وتوقفنا لدى قصيدة لكل منهما، نجد الشاعرة حوراء كتبت قصيدة بديعة تناولتُها من قبل بالتحليل، وهي قصيدة “ أغنية ما غادرت عش فمي”؛ حيث تقول: مَـــن ألــهـمَ الــرمـلَ أنَّ الـنـخلَ سـيـدةٌ عـطشى فـأجرى لـها باللطفِ زمزمَها؟ هـــل هــاجـرٌ ألـبـسَـتْها روحَــهـا ظــمـأً فــهــرولَ الــمــاءُ لــلأعـلـى لِـيـخـدمَها؟ مــن ســاءلَ الـضـوءَ عـن أثـوابِ عـفَّتِها وهْـي التي شابهت في الطهر مريمَها وشاعرنا له قصيدة في هذا الديوان بعنوان” حكاية نخلة” يقول فيها: كانت حكايتُها حكايةَ نخلةٍ نبَتتْ كأروعِ شَتلةٍ للماءِ لم يَثنِها قهرُ السنينِ فما انحَنتْ يومًا لغيرِ جذورِها السمراءِ وتمكن الشاعران حوراء والموسوي من استلهام المضمون التراثي للأحساء؛ فاستخدمت حوراء: “هجر، القيصرية، الكوت، جواثا...” كذلك فعل الموسوي حين وظف: “جواثا، المشقر، العقير ...” نعود لـ “شرود مؤجل”؛ إذ برع شاعرنا في توظيفه المختلف لبعض المفاهيم اللغوية كما في استخدام “ال” التعريف، بمعنى الاسم الموصول، كما عند الفرزدق: ما أنت بالحكم الترضي حكومته فقال شاعرنا: كلُّ ابتهالاتيَ الـ(كانتْ) تجلِّلُني الكانت بمعنى التي كانت إنه ديوان متنوع بديع، لشاعر متفرد مميز، توقفت معه تأمليا عند بعض محطاته، ولكن ثمة محطات أخرى لم تقل.