الوجودُ تشارُكٌ بين الأشياء، فالإنسانُ لا يعيش وحيداً بمعزل عن بقيَّة الكائنات، بما فيها الكائناتُ غير العاقلة كالقمرِ والشمس والغَيم، حيث تؤثِّر عليه وتصوغُ أجزاء حياته، إذ كَما للقمر تأثيرٌ في المدِّ والجزر، فللشَّمس تأثيرٌ في الحرارةِ والبرودة، وللغيمِ تأثيرٌ في البقاءِ والرحيل. سيرةُ الغيم هي سيرةُ الأقدار في حياةِ الكائنات، إذ انتِقَالها بين الأراضِي وتسبُّبها في خروج العشبِ وارتواء الأشجارِ والحيوانات؛ يعني الحياةَ والصمود البَقاء، ويعاكسُها الهطولُ المتواصل والتسبُّب في السيول وانجرافاتِ التربة وفيضاناتِ الأودية؛ مما يُعطِّل الحياة ويقضِي عليها (ولادة): “يولد الغيمُ ناضجاً مزدحمًا بقصص الأقدار ودعاءِ الفقراءِ والعشَّاق” في حالةِ الفيضانات والسيولِ لا يعود الماءُ هو الماء، ولا تلتصقُ به دلالة النماءِ والازدهار، إذ يتجه إلى اكتسابِ دلالات جديدةٍ مرتبطة بالوجودِ والعدم؛ حتى يغدو القدرَ والمصِير المتحكِّم في حياةِ البشر وبقيَّة الكائنات، وهذا ما يطرحه ديوانُ (سيرة ذاتية لغيمة) للشاعرِ محمد خضر: “تولدُ غيمة .. تتكاثرُ مطراً على كل شيء تملأُ النصف الفارغ من العتمة والفراغَ الوشيك بين صخرتين مطرٌ يقول كلَّ ما لديه ويمضي تاركًا لهذه البلدة أن تتعلَّم الدرس من جديد” هي دورةُ حياة تتكرر، حيث الغيمةُ تروح وتجيء في المواسم، تنثرُ أمطارها على البلاد، وتنبتُ أحلام البشر، وتروي مفاصِل الوجود، وكلَّما تأخر الموسمُ تضاءلت الأحلامُ وانكمشت الأمنِيَات (قحط): “كلَّما تأخر المطر ... تراكمت العَتمة وباتت مخالبها في الأحلام” للمطرِ ذاكرة تحفظُ أماكن سقوطِه ليعود ويشاهد التغيُّرات التي حدثت، فإذا أُصيب بالنسيان بدأت المشكلاتُ وغدا للقدر كلامٌ آخر، حيث تصبحُ القطرات النديَّة انهماراتٍ وانهيارات، فما كان يُنتظر منه إحياءُ الأرضِ أضحى سبباً في موتها (مطر ليس أكيداً): “أحياناً يفقد المطر ذاكرته ينهمرُ عنيفًا على سقف من القش!” إحياءُ الأرض والكائنات أو التسبُّب في موتها وهلاكِها؛ يعني إعادةَ كتابة التاريخِ والقدر، والمطرُ لكونه صانع الحدث وسبب التغيُّر سيعد من أبرزِ المشاركين (سحب): “كانت تتشكَّل أوجهًا، وحيوانات، وشجرًا بيوتًا، وعيون أمهاتٍ، فرساناً قدماء، وفتيات مراجيحَ، وابتسامات .. “ التشكُّل لا يتوقف عِندَ حد، حيث تتشكَّل الغيوم في صُورٍ غير متوقعة لم يألَفها البَشر: “كانت وبكلِّ نبلٍ تتشكلُ ظلًّا لغريبٍ يمشي في طريقٍ طويل ... وكانت تتشكل لروحٍ قاسيةٍ كمتاريس ودروع تحارب عن بعدٍ ضراوةَ الحياة! كانت تتشكل ناصعةً كالحقيقة أو مجردةً من المعنى ضوءًا للتائه وتجريدًا للفنان حضنًا للعاشقِ وأسفًا للعبيد” القدرُ كلمة السرِّ التي أفصحَ عنها المطر، حيثُ الأرض تتغيُّر إمَّا بسبب هطولِه أو بسبب امتناعِه؛ ما يجعل الأقدارَ تختلف وتتغيَّر، ليكون لكلِّ شيء قدر خاصٌّ، بما فيها الأشياءُ التي يُظنُّ أن لا قدرَ لها، أو لا يمكنُ تغيير قدرِها (حقل): “لكل وردة قدرُها .. حتى وردة البلاستِيك كانت أقدارُها في قصة وهم!” التفاصِيلُ الهامشية بينَ البشر والبشر، أو بينَ البشر والأشياء، تولِّد نوعاً من اللامُبالاة؛ لأنَّ العلاقات لا تكونُ واضحة ومنكشفة، فغالباً تتسم بالغموض والسرية والإبهام، وهنا تأتي أهميَّة الغيوم وسبب العنايةِ بها؛ لقدرتها على إعادةِ كتابة أقدار البشرِ وصياغة وجودِهم، حيث ستجبرُهم على الاهتمامِ بجميع التفاصِيل، كما ستنزعُ عن أعينهم كل ما يحجبُ الحقيقة ويمنعُ رؤيتها، الأمرُ الذي يعني رؤيةَ مشكلات العالمِ وأزماته كما هيَ (لا مبالاة): “كان لا مبالياً لا شيءَ يفوتهُ غالبًا ولا شيء ينتظره لذا كان من الطبيعي أن يكون سعيدًا سعيدًا وخائفًا من المبالاة وهذا أيضا ما يجبُ أن يكترث له ..” الغيمةُ تعود كل عامٍ لتروي الأرضَ وتكتب القدَر، هذه هيَ فلسفة الأمطارِ في الهطول والتوقُّف، كما يقدِّمها الديوان ويعملُ على كشفها، إذ تعدُّ إحدى أسرارِ الحياة، فرغم وضوحِها الشديد تظلُّ عصية على الملاحظةِ والإدراك؛ بسبب عدمِ معرفة مواعيد القدُوم والامتناع، أو حجمِ الهطول وكميَّة المياه. لا يمكنُ أن يكون الإنسانُ لا مبالياً تجاه المطر، حتى وإنْ لم يدرك أسرارهُ وخفاياه، فهو أحدُ المستفيدين من هطولِه والمتضررين من امتناعِه، وقدره ومصيرُه مرتبط به، لذا ينبغي أن يهتمَّ أشد الاهتِمَام؛ كي يتجنَّب الوقوع في مشكلاتٍ أعمق وكوارثَ أخطر.