غالبًا ما نربط بين الواقعية والحقيقة، لكن التشابه مع الواقع لا يعني بالضرورة بلوغ جوهره؛ فقد يبدو النص قريبًا من الحياة، من دون أن يكشف أعمق ما فيها. قرأت مؤخرًا كتاب (استكشافًا لفن الرواية) للأديب الصيني يان ليانكه، الذي تحدث فيه عن بنية الرواية من الداخل، وعن مستوى العمق الذي يمكن للقارئ أن يستكشفه، عبر وصفه لمستويات الحقيقة الأربعة في الواقعية، قبل أن يستعرض أنماط السببية في السرد، من المنعدمة إلى الكلية فالجزئية فالداخلية، وصولًا إلى مفهوم معاصر في الأدب الصيني أطلق عليه مسمى «الواقعية الميثولوجية». أخذنا يان ليانكه في هذا الكتاب في رحلة إلى الحقيقة التي تختبئ خلف الحقيقة الظاهرة؛ متسائلًا عن مقدار ما تستطيع الواقعية أن تكشفه لنا عن الإنسان والعالم. قال إن الواقع الصيني المعاصر صار أكثر تعقيدًا وغرابة وعبثًا من أن يُكتفى بوصفه كما هو، في الوقت الذي ظلت فيه الواقعية، في كثير من نماذجها، ترسم الحياة كمرآة بدلًا من أن تستكشفها، وتحتفي بالأعمال التي تصف المجتمع بدل أن تسائله. ومن هنا بدأ بحثه في أساليب ظهرت في الأدب الصيني، واستطاعت أن تقترب من جوانب تعجز عنها الواقعية المنطقية المألوفة. ابن الواقعية العاق وصف يان ليانكه نفسه في مطلع الكتاب بأنه «ابن الواقعية العاق» (1). أي أنه نشأ داخل الواقعية، لكنه صار يضيق بقواعدها وأعرافها. فقد قال: «لطالما تخيلت بأنني قادر على كتابة كل ما أريده، دون أن آخذ في الاعتبار إمكانية نشر العمل النهائي، أو عدم نشره» (2). أراد بذلك التحرر من قيود الكتابة والأعراف الأدبية التي تجعل الكاتب أسيرًا لطريقة محددة؛ فهو يريد أن يقول الحكاية كما يشاء، وأن يسمح لنفسه بخلق بنية سردية جديدة. شرح ليانكه هذا التوتر بصورة ابن عاق يرفع السكين إلى رقبة والديه، ثم يتذكر الجهد الذي بذلاه في تربيته. في هذه الصورة أخبرنا أنه مدين للواقعية، وفي الوقت نفسه يريد تجاوز حدودها. فالواقعية عنده أصل تكوّنت منه كتابته، قبل أن يبحث عما يتجاوزها. بعد ذلك ربط ليانكه الواقعية بالحقيقة؛ فالتجربة عنده هي الأرض التي تنبت منها الواقعية، أما الحقيقة فهي الغاية التي يسعى إليها الكاتب. وفي الطريق إلى هذه الحقيقة «يعمل الكاتب والقارئ معًا في بناء الشخصيات، وهذا هو العقد الأهم بين الاثنين. لا يملي هذا العقد فقط الطريقة التي ينتج بها الكاتب العمل الأدبي، بل وكيف يتلقاه القارئ» (3). كما بيّن أن الحقيقة داخل الواقعية درجات؛ فهناك الحقيقة المشيدة مجتمعيًا، وهي الحقيقة التي تصنعها الأيديولوجيا وتفرضها على الأدب بوصفها واقعًا. وهناك الحقيقة الدنيوية، وهي ما يلتقطه الأدب من حياة الناس اليومية وعاداتهم وعلاقاتهم. بعدها تأتي حقيقة الحياة، حين يتجاوز النص المألوف الاجتماعي إلى جوهر التجربة الإنسانية. أما الحقيقة الروحية العميقة فهي أعمق هذه المستويات، لأنها تتصل بما يختبئ في داخل الإنسان من قلق، ورغبة، وخوف وتناقض. بهذا أصبح وصفه لنفسه بأنه «ابن الواقعية العاق» مدخلًا لفهم موقفه من الواقعية: فهو انطلق منها لأنها ارتبطت عنده بالحقيقة، وضاق بحدودها حين تحولت إلى أعراف تقيد الكتابة. ومن هنا وصل إلى مفهوم الواقعية الميثولوجية، التي تحافظ على صلتها بالواقع، لكنها تبحث عن طريق آخر إلى الحقيقة؛ طريق يمر عبر الخيال، والأسطورة، والحلم، والتحول العجائبي، وما سماه ليانكه «السببية الداخلية»، أي المنطق الخفي الذي يجعل الحدث الغريب مفهومًا من داخل النص. وهي، كما قال، ليست شيئًا أنشأه كاتب واحد من الصفر، فقد امتلكها الأدب الصيني منذ زمن طويل، غير أن القراء والنقاد لم يدرسوها من هذا المنظور. الواقعية الميثولوجية عرّف يان ليانكه الواقعية الميثولوجية بأنها «عملية إبداعية ترفض العلاقات المنطقية السطحية الموجودة في الحياة الواقعية لتستكشف نوعًا من الحقيقة الخفية غير الموجودة؛ حقيقة محتجبة تحت غطاء الحقيقة نفسها» (4). وهي تختلف عن الواقعية التقليدية التي نألفها في أن علاقتها بالواقع تتجاوز السببية المباشرة، وتتصل بروح الشخص وعالمه الداخلي، وبما يتخيله الكاتب انطلاقًا من أساس واقعي. ومن هنا وصلت إلى الحقيقة عبر الخيال، والمجاز، والأساطير، والحكايات، والأحلام، والتحولات السحرية التي تنبت من تربة الحياة اليومية والواقع الاجتماعي. هذا قد يقودنا إلى التساؤل المنطقي عن الفرق بين الواقعية الميثولوجية الصينية والواقعية السحرية في آداب أمريكا اللاتينية. وقد ظهر جواب ليانكه في تأكيده أن «السببية الداخلية» (5) هي أبرز ما يميز الواقعية الميثولوجية، إذ أوضح أن ترسيخ منطقها العميق هو أكبر ما يفرقها عن الحركات الأدبية الغربية، ومنها الواقعية السحرية. والسببية هنا هي المنطق الذي يربط بين ما يحدث داخل الحكاية؛ ففي الواقعية السحرية قد يقع الحدث العجيب داخل العالم الروائي، أما في الواقعية الميثولوجية فتأتي أهمية العجيب من الحقيقة الداخلية التي يكشفها عن الإنسان أو المجتمع. لذلك ربطها ليانكه بـ«روح الإنسان، وروح الحياة، والمنطق الذي يكاد لا يُدرك في الحياة الواقعية» (6)، وهي العناصر التي تدفع تطور الحكاية وتحول الشخصيات من الداخل. تحدث في هذا السياق عن قراءة أعمال الأديب الصيني (مو يان) التي حاول كثير من النقاد فهمها انطلاقًا من الواقعية السحرية اللاتينية، ورأى أن النظر إليها من زاوية الواقعية الميثولوجية أفضل، بل ويمنح الأجزاء التي تتجاوز الواقعية بنية أوضح، ومحتوى أكثر اتصالًا بالدلالة الصينية المحلية. جذور الواقعية الميثولوجية في الأدب الصيني كرر ليانكه عبارة الأدب الصيني «المعاصر» في محاولته لشرح الواقعية الميثولوجية، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الأدب الصيني امتلك هذا المسار منذ زمن طويل، وأن ما غاب بالفعل هو الالتفات إليه وقراءته من هذا المنظور. قال: «ليس علينا أن نقلق ما إذا كان أدب الواقعية الميثولوجية قد بدأ لتوه بالانبثاق في الأدب المعاصر، أم قد تشكل منذ زمن، ولكن تجاهله القراء والنقاد. بل ما ينبغي التركيز عليه هنا هو أن الواقعية الميثولوجية ليست بالشيء الذي أنشأه أحد الكتاب من الصفر، فهي في الواقع موجودة في الأدب الصيني منذ زمن طويل. كل ما في الأمر أننا حتى الآن لم ندرس أو نجري أبحاثًا في القضايا المتعلقة بمنظور الواقعية الميثولوجية» (7). بعد ذلك استعرض عددًا من الأعمال الكلاسيكية ليظهر قدرتها على العبور من الأسطوري إلى الواقعي. بدأ أولًا من رواية (رحلة إلى الغرب)، وهي من الأعمال الكلاسيكية الصينية. قال: «حينما يركض بيغسي بجنون في قرية غاو القديمة بسبب توقه العظيم لأن يكون بشريًا، كيف يمكننا ألا نعتبر ذلك مثالًا على أسلوب الكتابة بالواقعية الميثولوجية؟ وحينما يذهب التلاميذ الأربعة إلى المناطق الغريبة لاستعادة النصوص المقدسة، ويصادفون في طريقهم إحدى وثمانين محنة وشدة، بما في ذلك شيطان يحاول التهام الراهب تريبيتاكا ليصبح بدوره مخلدًا، كيف لا يمكننا أن نرى بأن هذه واقعية ميثولوجية تصور الخوف البشري الفطري من الموت؟» (8) بيغسي، أو تشو باجيه، في هذه القصة شخصية تجمع بين الهيئة الحيوانية والرغبة البشرية، لذلك قرأ ليانكه توقه إلى أن يكون بشريًا بوصفه انتقالًا من العجيب إلى الحقيقة الإنسانية الكامنة فيه. ومن خلال مثال التلاميذ الأربعة والشياطين التي تطارد الخلود عبر جسد تريبيتاكا، أوضح أن الميثولوجيا في الأدب الصيني الكلاسيكي كانت قادرة على كشف حقيقة واقعية مثل خوف الإنسان من الموت. وأورد عدة أمثلة من كلاسيكيات الأدب الصيني، مثل (حكايات غريبة من استوديو صيني)، للكاتب (بو سونغ لينغ)، التي قال عنها إنها «تنقب عن عنصر الحقيقة في غابة من الخرافات، بطريقة حذقة ونافذة. ففي عالم حقيقة المجتمع ودواخل الآخرين تضيء لنا الواقعية الميثولوجية في أعمال بو سونغ لينغ تلك الزوايا المعتمة التي لا يمكننا أن نلمسها في الحياة الواقعية» (9). كيف تعمل الواقعية الميثولوجية داخل النصوص في القسم المعنون بـ(قواعد وقوانين الواقعية الميثولوجية)، قال ليانكه إن عناصر هذا النوع من الكتابة تشبه البذور المتناثرة على أرض جدباء؛ بعضها ينبت، وبعضها يموت، أو تشبه نوعًا من التشتت الواعي واللاواعي. أراد بذلك أن الواقعية الميثولوجية لم تصل بعد إلى نموذج مكتمل يمكن التعامل معه كمعيار ثابت أو نموذج نسترشد به لتصنيف الأعمال الأدبية. فالعمل الأدبي عنده يشبه تجربة حية أكثر من كونه بناءً هندسيًا له مخطط مسبق، والكاتب نفسه، مهما فكّر في شكل نصه، يعجز عن توقع صورته النهائية؛ لأن ولادة العمل الأدبي تعتمد على فهم الكاتب ورغبته، وعلى شيء من الحظ أيضًا. ومن أجل تقريب هذه الفكرة، اختار ليانكه حكاية شعبية بعنوان (قلب الأم)، وقال عنها: «ثمة قصة من التراث بعنوان قلب الأم، وحتى لو لم تكن بشكل صريح عملًا من الواقعية الميثولوجية، سيمكننا القول على الأقل إنها تشرح بعضًا من قواعد الواقعية الخرافية» (10). لم يذكر في الكتاب اسم مؤلفها، وأشار إليها بأنها قصة من التراث الشعبي تحكي عن شاب يعيش مع أمه في الجبال. وحين بلغ سن الزواج، سمع أن الإمبراطور يبحث عن زوج لابنته، بشرط أن ينتزع الشاب قلب أمه ويحوّله إلى ألماسة حمراء للأميرة. عاد الشاب وأخبر أمه، فلم تقل شيئًا، وظلت تطبخ له وتغسل ثيابه كعادتها. وعند الغروب، عاد من الجبل، فلم يجدها، ورأى على المائدة طبقًا مغطى. وحين رفع الغطاء، وجد قلب أمه الدامي، ما زال دافئًا. سمع صوت والدته تحثه على أخذه وتقديمه للأميرة بسرعة قبل الغروب. أخذ القلب وركض به، لكنه تعثر في الطريق، فسقط القلب من يده وتدحرج بين الحجارة والأوراق. وبينما كان يبحث عنه، سمع صوت أمه يخرج من القلب، يسأله إن كان قد تأذى، ويدله على نبتة توقف النزيف إن كان قد جُرح. هنا قرأ ليانكه الحكاية بوصفها مثالًا على الحقيقة الداخلية في الواقعية الميثولوجية؛ فحب الأم لابنها هو الحقيقة التي تقود كل شيء. وبسبب هذه الحقيقة، أصبح كلام القلب بعد الموت مفهومًا داخل الحكاية: القلب يتكلم بوصفه حاملًا لمعنى الأمومة التي تتجاوز الموت. هذه هي السببية الداخلية عند ليانكه؛ أن يتحرك الحدث العجائبي بفعل حقيقة عميقة في النفس، عوضًا عن سبب واقعي مباشر. بعدها قارن ليانكه السببية الداخلية بأنماط أخرى شرحها في الكتاب. فالسببية المنعدمة تعني أن يقع الحدث من غير سبب ظاهر، كما في تحوّل غريغور سامسا في كافكا إلى حشرة. أما السببية الجزئية، فتقوم على علاقة غير مباشرة أو غير مكتملة بين الحدث وسببه. ولهذا استحضر مئة عام من العزلة، حيث تصبح حيوانات المزرعة شديدة الخصوبة كلما التقى أوريليانو سيغوندو بعشيقته بترا كوتس. أورد ليانكه هذا المثال لتوضيح الفرق بين أنواع السببية: في ماركيز توجد علاقة عجائبية شبه سببية، أما في «قلب الأم» فالمحرّك هو حقيقة داخلية تقود الحدث من داخله. وفي هذا السياق ذكر ليانكه (قلب الأم) إلى جانب (ضفة النهر الثالثة) و(سنّ السيوف)، بوصفها حكايات تبدأ من مصدر للحقيقة الداخلية، وتطوّر منه مسارها السردي. ومن هنا اتضحت القاعدة التي أراد شرحها: الواقعية الميثولوجية تبدأ من حقيقة داخلية، وتجعل الخيال أو الأسطورة أو التحول العجائبي وسيلة لظهور هذه الحقيقة داخل النص. وبذلك أصبح الحدث الغريب ذا ضرورة فنية ومعرفية، لأنه يصدر عن منطق عميق يتصل بالنفس أو الروح أو المجتمع. ختامًا بعد تتبع مفهوم الواقعية الميثولوجية عند يان ليانكه، يتضح أن عالم الأسطورة والقصص العجائبية لا يبتعد عن الحقيقة بالضرورة؛ إذ قد تكون الغرابة طريقًا غير مباشر إلى ما لا تبلغه الواقعية المألوفة. وبهذا تكشف الواقعية الميثولوجية، في الأدب الصيني، قدرة بعض الأعمال على توسيع معنى الواقعية من داخلها، حين تجعل الغريب والعجائبي جزءًا من بحث الرواية عن الحقيقة. --------- جميع الاقتباسات الواردة في المقال مأخوذة من كتاب: يان ليانكه، استكشافًا لفن الرواية، ترجمة منال الندابي، منشورات تكوين