قراءة في كتاب Spatializing Culture..
أنثروبولوجيا العمارة: الفضاء بوصفه أثراً ثقافيًا واجتماعيًا.
لم تعد الأنثروبولوجيا في السعودية حقلًا معرفيًا هامشيًا يُستدعى عند الحديث عن الموروث الشعبي أو العادات الاجتماعية فحسب، بل بدأت تتحول إلى أداة لفهم الإنسان السعودي وتحولاته وعلاقته بالمكان. وقد تعزز هذا الحضور من خلال مبادرات ثقافية وبحثية، من بينها منحة الدراسات الأنثروبولوجية ضمن برنامج المنح البحثية الثقافية، إضافة إلى الموافقة مؤخرًا على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية؛ بما يعكس انتقال هذا الحقل من نطاق أكاديمي محدود إلى مساحة أوسع داخل المشروع الثقافي الوطني. أثناء مرحلة دراسة الدكتوراه، استوقفتني مقولة Churchill: “نحن نشكّل مبانينا، ثم تعود مبانينا فتشكّلنا”. لم أقرأها بوصفها تعليقًا على أثر العمارة في السلوك فقط، بل باعتبارها مدخلًا لسؤال أعمق: كيف يتحول المكان إلى مرآة للمجتمع، وحاملٍ لذاكرته، وأثرٍ لطريقته في العيش؟ حينها بدأت أنظر إلى العمارة بوصفها أكثر من كتل ومواد وإنشاءات. كان واضحًا أن ثمة طبقة أخرى لا تظهر في المخططات وحدها؛ طبقة تتجلى في شكل المدخل، وتسلسل الفراغات، وعلاقة البيت بالمجاورة، والمجاورة بالسوق، والسوق بالمسجد. فهذه العناصر لا تعبّر عن قرارات تصميمية مجردة، بقدر ما تكشف عن منظومة قيم تتصل بالخصوصية، والجوار، والضيافة، والعلاقات الاجتماعية، والتكيف مع المناخ والموارد. من هنا بدأ اهتمامي بأنثروبولوجيا العمارة؛ أي قراءة الثقافة من خلال المكان، واستنتاج الإنسان من الطريقة التي بنى بها مسكنه، ونظم بها مجاورته، وصاغ بها علاقته بالآخرين وبالبيئة. فالعمارة، بهذا المعنى، ليست مأوى فقط، والعمران ليس مجرد انتظام للأبنية والطرق، بل كلاهما يمثلان أثرًا ثقافيًا واجتماعيًا لطريقة المجتمع في التفكير والعيش. وقد قادني هذا الاهتمام إلى قراءة كتاب Spatializing Culture: The Ethnography of Space and Place لعالمة الأنثروبولوجيا Setha Low، وهو كتاب ينطلق من فكرة جوهرية مفادها أن الثقافة لا تُقرأ من اللغة والعادات والرموز وحدها، بل من المكان أيضًا؛ لأن الإنسان لا يعيش ثقافته في الخطاب فقط، وإنما يمارسها يوميًا في البيت، والشارع، والسوق، والحي، ومسارات الحركة المعتادة. تكمن أهمية الكتاب في أنه ينقل دراسة المكان من الوصف الشكلي إلى الفهم الإثنوغرافي. فالمكان هنا ليس فراغًا محايدًا، بل بنية ثقافية تكشف أنماط الانتماء، والسلطة، والتمييز، والألفة، وطرائق العيش. لذلك لا يكتفي الكتاب بالسؤال: كيف يبدو المكان؟ بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يُعاش المكان؟ بهذا المنظور، لا يعود الحي مجرد تجمع عمراني، بل شبكة علاقات اجتماعية. ولا يصبح الطريق ممرًا للحركة فقط، بل مساحة تتداخل فيها الخصوصية مع المشاركة، والذاكرة مع العبور. كما لا يُقرأ السوق بوصفه موقعًا اقتصاديًا فحسب، بل باعتباره فضاءً للثقة والتبادل والمكانة الاجتماعية. ومن هنا تبرز قيمة الكتاب للمهتمين بالعمارة والعمران التقليدي في العالم العربي عمومًا، وفي السعودية خصوصًا. فالعمارة التقليدية في المملكة لا تمثل نموذجًا واحدًا، بل طيفًا واسعًا من البيئات: الساحل، والجبل، والصحراء، والهجرة، والمدينة التاريخية، والقرية الزراعية، والسوق، والمجاورة. غير أن فهم هذه البيئات لا يكتمل من خلال النظر المعماري وحده؛ لأن العمارة هنا ليست مجرد استجابة للمناخ أو المادة، بل تجسيد لمنظومة اجتماعية وثقافية كاملة. لذلك يدعو الكتاب إلى تجاوز الاكتفاء بوصف العناصر المعمارية أو تصنيف الطرز وأساليب البناء، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى فهم المعاني الاجتماعية التي تقف خلفها. لماذا يتخذ المدخل شكلًا معينًا؟ لماذا تتدرج الحركة من العام إلى الخاص؟ كيف تعبّر الطرق عن نمط الجوار؟ وكيف تتحول عناصر مثل الظل، والفناء، والساحة، والمدخل، إلى مفردات ثقافية بقدر ما هي حلول عمرانية؟ ومن هنا تتضح صلة الكتاب بما يمكن تسميته أنثروبولوجيا العمارة والعمران؛ ذلك الحقل الذي يتعامل مع البيئة المبنية بوصفها أثرًا ثقافيًا واجتماعيًا، لا موضوعًا هندسيًا فقط. فالعمارة والعمران لا يكشفان كيف بنى الإنسان مسكنه وحسب، بل كيف فهم ذاته، ونظم علاقته بالآخرين، وحوّل قيمه ومخاوفه وذاكرته إلى فراغات ومسارات وأشكال مادية. ولعل هذه هي الفكرة الأهم التي يقدّمها الكتاب: أن دراسة المكان ليست قراءة للمادة بقدر ما هي قراءة للإنسان. فالمجتمعات لا تترك آثارها في النصوص وحدها، بل تتركها أيضًا في البيوت، والأحياء، والأسواق، ومسارات الحركة اليومية. ومن هنا يصبح المكان وثيقة ثقافية يمكن من خلالها فهم المجتمع، واستعادة جانب من ذاكرته، وقراءة شيء من سيرته الصامتة عبر العمران.