معركة بلا مدفع ولا دبابة!

حينما أثير أن جامعة الفنون قررت أن تكون لغة التدريس فيها لغة أجنبية، جرى استقطاب واسع جدا في مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض، وهذا الاستقطاب الذي أحدثه هذا القرار ليس غريبا، فهو يعكس صراعا أيديولوجيا، يتخفّى حيناً، ويظهر إلى السطح أحايين أخرى. وبعيدا عن الأسباب والتصورات التي يحملها من يؤيد هذا القرار أو من يعارضه، فإن أي لساني تطبيقي يهتم باللغة، ينظر لهذا الاستقطاب على أنه معركة، لكنها معركة في عالم مجرّد، جيشها اللغة، وساحاتها التي تعترك فيها تلك المجالات التي لابد وأن تملأ بأي لغة كانت (الإعلام، التعليم، إدارة الدولة، التقنية، لغة العلم ...)، وتتدافع اللغات في هذه العالم وتتصارع حول هذه المجالات، أي منها يستطيع أن يسيطر على مجال ما ويقصي الآخر عنه. وكما هو معلوم فإن اللغات متساوية في التعبير عما في هذا العالم، لكنها تتباين تباينا شديدا في التعبير عمن تعبّر عنهم، إذ لا يمكننا أن نتصور مجموعة من الناس دون أن نصفهم بلغة ما، فمن هم العرب بغير العربية؟ ومن هم الإنجليز بغير الإنجليزية؟ ولذا فإن حضور أي لغة وتقدمها في أي مجال ما إنما هو حضور لمن تعبّر عنهم تلك اللغة، أي لمن تعكس هويتهم، فاللغة تلتصق فيهم التصاق وجهي الورقة، ولا يمكنهم الفكاك منها إلا إذا أصبحوا أناسا آخرين! وأي لغة بشرية تستطيع أن تشترك في هذا الصراع وتملأ مجالا ما، لكن حينما تخفق لغة ما وتنسحب من أي مجال أمام لغة أخرى فإن هذا ليس لضعفٍ في اللغة نفسها، أي لضعف في أصواتها أو صرفها أوتراكيبها أو معجمها، وإنما هو ضعف يرجع إلى من تعبّر عنهم تلك اللغة بانسحابهم من مجالات -تشبه موارد الطاقة في العالم- كان يفترض عليهم أن يستولوا عليها، ولذا يصح أن يسمى مثل هذا الانسحاب “هزيمة”. وهذا الصراع الواقع على هذه المجالات ليس صراعا لا يمكن التحكم فيه، بل إنه يدار مثلما تدار الجيوش، فيمكن التدخّل في بنية اللغة (أصواتها وصرفها وتراكيبها ومعجمها)، وإحداث التغيير لجعلها صالحة لأي مجال ما. فالواقع اللغوي ليس واقعا حتميا، بل هو واقع متغير نملك زمام تغييره. وما أجمل التعبير الذي عبّر به كالفي عن إمكان إدارة هذا الصراع والتحكم فيه في كتابه حرب اللغات والسياسات اللغوية بقوله: “سنترك الآن ساحة المعركة، أي إدارة هذا التعدد اللغوي ... لندرس إدارة هذا التعدد في البيئة المصطنعة، أي في المختبر”. *باحث دكتوراه في اللسانيات التطبيقية العربية