المخيال الثقافي
1 الحكاية التي سأوردها بعد قليل ليست مجرد حكاية عابرة وردت في كتاب تراثي، بل تجسد نموذجا مكثفا للكيفية التي يتشكّل بها الخطاب الجدلي في لحظات التوتر الديني. ففي لحظات التوتر الديني لا تُبنى المواقف على مجرد اختلاف، بل على نزع المشروعية عبر اختزال الآخر في صورة ذهنية محددة. أمام هذه النماذج نثرا كانت أم شعرا يصبح السؤال هل نمرّ عليها مرور الكرام بدعوى تجنب إثارة الجدل، أم نتوقف عندها بوصفها وثيقة ثقافية تكشف طريقة تفكير حقبة كاملة أو حقب تاريخية متتالية؟ يبدو لي أن الصمت، في هذه الحالة، لا يلغي الإشكال بقدر ما يؤجله، وتحليل هذا النوع من النصوص لا يعني التبني أو التبرير، بل يعني الفهم. فمثل هذه النصوص لم نعد نقرؤها اليوم بوصفها نصوصا صالحة للتداول الأخلاقي أو الاجتماعي، بل نقرؤها بوصفها نتاجا لسياق تاريخي تشكّل فيه الوعي الجمعي تحت ضغط الصراع العقدي والمذهبي في وقت كان تثبيت الهوية يمر عبر نفي الآخر المختلف. تكمن فائدة تفكيك هذه النصوص، والاشتغال بتحليلها في كشف آليات إنتاج المختصمين في المخيال الثقافي، وكيف يمكن أن يتحول الاختلاف العقدي إلى معيار للحكم العقلي أو الأخلاقي. هذا النوع من التفكيك لا يهدف إلى إدانة الماضي بقدر ما يهدف إلى تحرير الحاضر من إعادة إنتاجه من دون وعي. لكل هذه المعطيات فتحليل هذه الحكاية موقف نقدي ضروري. ومجازفة بفتح ملف شائك على حساب اطمئنان النعامة حين تدس رأسها في التراب. فالفكر يحتاج إلى جرأة ليبقى حيا؛ أعني جرأة النظر في النصوص التي صنعت وعينا، لا لنكررها، بل لنعرف كيف تشكّلت، وأي أثر ما زالت تتركه فينا. لا تكمن أهمية تحليل هذه الحكاية وتحليل نظائرها في إدانة الماضي ولا في محاكمته بمعايير الحاضر، بل في الوعي بكيفية تشكل هذا النوع من التفكير كي لا نستعيده من دون نقد. فالنصوص ليست قدرنا، بل مادة لفهمنا، وتفكيكها يفتح لنا أفقا لرؤية الاختلاف بوصفه مجالا للحوار، وليس مبررا للإقصاء. 2 يورد ابن الجوزي في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين (ص 53) الحكاية التالية. «عن أحمد بن حنبل أنه قال: لو جاءني رجل فقال: إني حلفت بالطلاق ألا أكلم يومي هذا أحمق، فكلم رافضيا أو نصرانيا لقلت: ما حنث. قال: فقال الدينوري: أعزك الله تعالى لم صارا أحمقين؟ قال: لأنهما خالفا الصادقين عندهما، أما الصادق الأول فإنه المسيح عليه السلام قال للنصارى «اعبدوا الله» وقال «إني عبدالله» فقالوا: لا ليس هو بعبد بل هو إله. وأما علي رضي الله عنه، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بكر وعمر» هذان سيدا كهول أهل الجنة» ثم سبهما هذا وتبرأ منهما هذا» من حيث المبدأ فالحكايات التراثية لاسيما ذات الطابع الجدلي، كثيرا ما كانت موضوعة لخدمة أجندة معينة. وفي حكايتنا هناك علامات تثير الشك كحدّة التعميم؛ إذ تنتقل الحكاية من واقعة افتراضية (يمين على الأحمق) إلى إطلاق حكم شامل على جماعات دينية كاملة. وكما يبدو لي فالحكاية أقرب إلى أساليب الجدل وأدبيات المناظرات المتأخرة منه إلى فتاوى الفقهاء التي تميل إلى التقييد والتحفظ. فضلا عن التعميم تبدو لي بنية الحكاية مصطنعة. فهناك سؤال ثم يأتي الجواب متخذا صورة مثالية تخدم غرضا إما تعليميا أو سجاليا، وهذا ما يشير إلى بأنها وُضعت لتكون حجة جاهزة أكثر من كونها واقعة حقيقية. يمكن للقارئ أن يلاحظ تداخل المستويات؛ فالحكاية تقفز من خلاف عقدي إلى حكم عقلي (أحمق) ثم تبرره بمنطق تبسيطي، وهو ما يعكس نزعة سجالية أكثر من كونه استدلالا فقهيا يُنسب إلى شخصية معروفة بالتثبت. فالحكايات التي تخدم غرضا كالتصنيف والإقصاء هي سمة كثير من الحكايات التي كُتبت في جو من الصراع المذهبي، لاسيما نسبة الأقوال إلى شخصيات مرجعية لإكسابها سلطة. تُروى الحكاية يشكل عام من دون تفاصيل توثقها. أي أنها تفتقد إلى الإسناد الدقيق والسياق التاريخي المحدد؛ ما يضعفها في ميزان التحقيق التاريخي. كما أن وظيفتها الخطابية الواضحة تظهرها كما لو أنها موضوعة ومنقولة لترسيخ صورة ذهنية أكثر من سعيها إلى معالجة مسألة فقهية حقيقية. تدفعنا كل هذه المعطيات إلى أن نتعامل معها بوصفها حكاية جدلية تشكلت في سياق صراع، والحذر من قبولها بيقين منسوبة إلى شخصية بحجم أحمد بن حنبل من دون تمحيص. ومع ذلك فهي حكاية غنية بالدلالات التي يتجاوز مضمونها الواضح إلى كشف بنية التفكير في لحظة تاريخية مشحونة بالجدل العقدي. فحين نحللها فلا نحللها بوصفها حكما معياريا مستعادا، بل بوصفها وثيقة ثقافية تكشف كيف تعرّف الجماعات نفسها وكيف تُعرّف غيرها، وكيف تتشكل اللغة التي تزعم دفاعها عن الحقيقة. 3 تاريخيا تدل الحكاية على تفكير حقبة زمنية إن لم تكن حقبا، وتعكس زمنا إن لم تكن أزمانا لم يدر الاختلاف فيه بوصفه تنوعا داخل أفق جماعي مشترك، بل بوصفه انحرافا. في الغالب كانت حقبة الجدل الكلامي زمن الخلافة العباسية الذي كان مسرحا للتنافس الحاد بين الفرق والتيارات. آنذاك لم يكن الهدف عرض الحجة، بل تثبيت اليقين الجماعي وإقصاء ما عداه. وفي سياق كهذا، تصبح اللغة حادة، قاطعة، وحاسمة، أكثر من تفهم وتتفهّم، لأن وظيفتها الأساسية ليست الحوار بقدر ما هي ترسيخ الحدود. ما الآليات التي استخدمتها الحكاية؟ أولا اختزال صورة المختلف في صفة واحدة تُفرغه من تعقيده الإنساني والفكري. كون هذا المختلف أحمق؛ فالحمق في الحكاية لا يعمل بوصفه وصفا فرديا، بل بوصفه مفهوم يعيد تشكيل صورة الآخر المختلف في الوعي الجمعي. عندئذ تصبح هذه الصورة الذهنية جاهزة، وقابلة للاستدعاء كلما دعت الحاجة إلى تأكيد التفوق العقلي. هذه الصورة غير مبنية على معرفة حقيقية بالآخر المختلف، بل مبنية على التبسيط الذي يجعلها قابلة للنقل والتكرار من دون مقاومة. علاوة على الاختزال إلى صورة ذهنية تكشف الحكاية عن تقنية تكاد تكون مركزية في الثقافة العربية الإسلامية القديمة وهي أن الجماعة تعرف ذاتها عبر نفي الجماعات الأخرى. هذا التعريف عبر نفي الآخر. أي أن الجماعة لا تكتمل إلا بوجود جماعة مختلفة، لكن الاختلاف هنا لا يعني الاختلاف في الرأي مثلا، أو في العادات والتقاليد والعقائد، بل يعني خللا في عادات الجماعة الأخرى وفي عقيدتهم وتقاليدهم. قد يوهم أن هذا النوع من التفكير يعزز تماسك الجماعة الداخلي، لكنه في الحقيقة يدمر الآخرين، وإمكانية الاعتراف بهم. فيتحول هؤلاء إلى وجود، لكن بوصفه نقيضا. تكشف الحكاية عن تقنية أخرى تتعلق ببناء صورة الآخر الخصم أو العدو في المخيال الثقافي. هذه التقنية تظهر بوضوح في الطريقة التي بنت بها الحكاية الحجة؛ فالحجج في هذا السياق ونظائره لا تنبني على فهم تصورات الآخر بل على الحكم وفق معايير الجماعة نفسها. فالحكاية لا تفهم المسيحي، ضمن سياقه اللاهوتي الخاص، بل يُقاس بمدى مطابقته لما يعد حديثا صادقا من منظور مختلف. الأمر ذاته يحدث للشيعي؛ فالحكاية تحاكمه على أساس موقفه من شخصيات مركزية عند أهل السنة. أي أن هذه التقنية تبني الآخرين بوصفهم مخالفين لما يجب أن يكونوا عليه، وليس على ما تقترحه تصوراتهم هم أنفسهم. تحول الحكاية الخلاف العقدي إلى معيار للحكم العقلي. فالاختلاف في الاعتقاد لا يُفهم في سياقه، بل تنقله الحكاية إلى حكم على القدرة العقلية ذاتها، وكأن من لا يوافق على هذا التصور أو ذاك يعاني من نقص في الفهم أو خلل في التفكير. هذا النقل من مجال الإيمان إلى مجال العقل يمنح الحكم في الحكاية قوة إضافية، لأنه لا يكتفي بوصف الآخر بأنه مخطئ، بل يجرده من أهلية النقاش من الأساس. لا تتوقف الحكاية عند هذا الحد، بل تتجاوزه حين تحول الخلاف العقدي إلى حكم أخلاقي. فالمختلف ليس فقط غير عاقل بل كذلك في موقع أدنى. هنا تغدو العقيدة إما علامة على الاستقامة أو علامة على الانحراف، ما يتيح أشكالا من الوصم يتجاوز العقلي والأخلاقي إلى المجال الاجتماعي. حين تُبنى صورة الآخر المختلف على هذا النحو، يصبح التعايش غير ممكن، وإن كان ممكنا أحيانا من الناحية العملية إلا أنه يظل هشا على المستوى الرمزي؛ لأن القبول بالآخر لا يستند إلى الاعتراف المتبادل، بل إلى تسامح مشروط أو تعايش قلق. ومع تقدم الزمن، يمكن لمثل هذه الصور الذهنية أن تترسخ في المخيال الثقافي، فيعاد إنتاجها في سياقات لاحقة حتى مع تغير الشروط التاريخية.