حياة متقاعد (2)
أكتب -كمتقاعد- بأسلوب يشبه موجة بحر المزاج العربي. طالعة نازلة، تشتد وترتخي، عميقة وسطحية، قوية وضعيفة، هادئة ومزمجرة. أيضا توحي وتقول. تحمل غموضا يطال درجات البوح بالمشاعر الودودة. نبخل بكثير الكلام الإيجابي. عادات ورثناها مع بقية إرث حضارة الرمق الأخير. الجلافة والجفاف محورها وهيكل جسمها. معها نوظف المثل الشائع: (كل واحد ينام على الجنب الذي يريحه). حضارة الفاقة والحاجة “الله لا يعيدها”، عاشها الأجداد، وطالتنا في طفولتنا. جاءت لنا بنظام كبت المشاعر. أيضا وأدها. نظام ساد نتيجة قسوة ومعاناة نقص النعم في زمن (الحصى خبز). هذه الموجات وتناقضاتها يستدعيها المتقاعد بعد دخوله نفق مرحلة نظام ورطة حياة التقاعد. يطبقها على الجميع. لكنه يستثني أحفاده من جورها. بالعودة إلى بيت العصيد (أقصد القصيد)، أكتب لأني أصبحت أملك مهارات ثرثرة التقاعد النافعة. أصبحت طائر مخيلة العرب الشهير. رمز خلدته الأجيال العربية بالوارثة. يرون فيه عبرة ودرسا، وحكمة حياة. يقولون: [ما طار طير وارتفع الا كما طار وقع]. الوقوع هنا قسري وليس اختياري. هذا ما جعل المثل يشبه كل أحد، ويصلح لكل أحد. مثل لا يشيخ ولا تموت أهدافه. الكل يتعرض للوقوع من الوزير إلى سواق الحمير، كما تقول أمثلة العرب المأثورة، رغم إني لم أعرف عن مهنة بهذا الاسم الأخير. أعرف مهنة الوزير، لكني لم أعرف مهنة تحمل اسم (سواق الحمير). ربما كانت وانقرضت في وقت سيادة أهمية الحمير لحياة التنقل قبل اندثارها، “لا ردها الله”. قصتي كطائر العرب الشهير هذا، بدأت من يوم ولادتي. جعلوه رسميا في (1/7). أول أيام شهر رجب. وكترضية وضعنا نحن رقم السنة التي اخترناها. حل تصالحي بين الانسان والآلة لتستقيم الأمور. غياب الدقة هنا مصلحة تنظيمية. حل ذكي لمشكلة تشكلت بفعل غياب الحقيقة. وجدت نفسي من جيل يحمل هذه الخاصية الفريدة. اعتبرته تشريف لشخصي. دخلت التاريخ من أوسع أبوابه بهذا التصنيف. أصبحت أحد أعضاء جمعية أصحاب الولادة في نفس اليوم والشهر. ونتيجة لذلك جميع أفراد هذه الجمعية يتمتعون بخاصية ثالثة ورابعة. فهم يتناقصون. أيضا تقاعدهم من وظائفهم الحكومية في نفس اليوم والشهر من كل عام. السؤال: ماذا ستخسر الأجيال بانتهاء جمعية (1/7)؟ أرجو التخطيط للاحتفال بآخر عضو قبل غلق بابها نهائيا. السؤال.. على أي جزء من جسمي وقعت بسبب التقاعد؟ حتى لا تتعثر الأجوبة وتطال مكامن حساسة، أقول: كان الوقوع نفسيا ونتائجه غير مرئية. جروحه محمولة مع بقية الأحمال التراكمية. البعض يتعافى. آخرون تشتد عليهم مكابدة الحمل فتزيد معاناتهم. شخصيا تعافيت وانطلقت دون تعثر “أقولها بتحفظ”. أمامي مشروع إعادة وهج حياة السندباد بطرق شتى. أسعى لتجديد الهمة وطقوسها، كجزء من نيل درجة شد الأزر الذاتية. يبدأ التقاعد عند البعض بشراء سيارة جديدة. البعض يجد نفسه في حرب قيم تراكمية، تجعله في صراع مع حياة جديدة لأجيال شارك هو في بنائها. من حق المتقاعد العيش وفقا لما يرغب وليس كما يرغبون. أيضا من حقهم العيش كما يرغبون وليس كما نرغب. سمعت صوتا أحدهم يردد عبر تضاريس حياته: أنطلق “غرندايزر” (Grendizer)، يقصد أحد المتقاعدين قبل تقاعدي. ويستمر الحديث.