يجمع التطوع في المسجد الحرام بمكة المكرمة بين شرف خدمة ضيوف الرحمن، وابتغاء الأجر والمثوبة من الله عز وجل لكونه عبادة وطاعة وقربة لله عز وجل. وتشمل الفرص التطوعية داخل المسجد الحرام عدة مجالات تسهم في تحسين تجربة الحجاج، منها تنظيم الحشود، ودفع العربات لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، والإرشاد المكاني لمساعدة الزوار على الوصول إلى وجهاتهم داخل المسجد الحرام، وفرص تطوعية في خدمة الترجمة واللغات والإعلام، وخدمة إرشاد التائهين، بالإضافة إلى التطوع الصحي، الذي يشمل تقديم الرعاية والإسعافات الأولية عند الحاجة. وتعمل الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين على الارتقاء بالعمل التطوعي في المسجد الحرام ليكون نموذجًا رائدًا في خدمة ضيوف الرحمن، من خلال تمكين المتطوعين من تقديم خدمات ذات جودة تعكس قيم العطاء والتعاون، تحقيقًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى تعزيز ثقافة التطوع، ورفع عدد المتطوعين، وتحقيق أثر اجتماعي مستدام. العمل التطوعي النسائي يعزز الخدمات الإثرائية باشرت الفرق التطوعية النسائية التابعة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي مهامها الميدانية داخل المسجد الحرام منذ منتصف شهر مايو الجاري؛ ضمن برامج العمل التطوعي المخصصة لموسم حج 1447هـ، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الخدمات الدينية والتوعوية والإثرائية المقدمة للقاصدات، بما يواكب كثافة الحركة التشغيلية التي يشهدها المسجد الحرام خلال موسم الحج. وتؤدي المتطوعات عددًا من المهام الميدانية داخل المصليات النسائية، تشمل الترجمة الفورية، والتوجيه والإرشاد، والتعريف بالخدمات الدينية، والمساهمة في إيصال المحتوى الشرعي الموثوق بعدة لغات، إلى جانب دعم القاصدات في الاستفادة من الخدمات التقنية والشاشات التفاعلية داخل المسجد الحرام؛ بما يسهم في تسهيل الوصول للمعلومة الشرعية وتعزيز التواصل مع القاصدات من مختلف الجنسيات والثقافات. وتسهم الفرق التطوعية في دعم الجهود التنظيمية داخل المصليات النسائية، عبر الإرشاد المكاني والتوعية بالخدمات المتاحة، والمساندة في توجيه القاصدات للاستفادة من المبادرات الإثرائية التي تقدمها الرئاسة، ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى الارتقاء بجودة التجربة التعبدية والمعرفية داخل المسجد الحرام. ويأتي تفعيل المبادرات التطوعية ضمن توجهات رئاسة الشؤون الدينية نحو تعزيز العمل التطوعي المؤسسي، وتمكين الكفاءات الوطنية النسائية للمشاركة في خدمة ضيوف الرحمن، واستثمار الطاقات البشرية في مجالات الترجمة والتوعية والخدمة الميدانية؛ بما يعكس التكامل بين العمل التطوعي والخدمات الدينية بالحرمين الشريفين. وتواكب هذه المبادرات مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية ثقافة التطوع، ورفع مستوى المشاركة المجتمعية، وتعزيز تجربة ضيوف الرحمن، إلى جانب إبراز الرسالة الإنسانية والدعوية للحرمين الشريفين بعدة لغات عالمية، عبر منظومة خدمات نوعية تُسهم في إثراء تجربة القاصدات خلال موسم الحج. جهود متطوعي ومتطوعات الحرم المكي الشريف تحدث أ.د عبدالرحمن محمد القرشي عن جهود المتطوعين والمتطوعات في الحرم المكي الشريف فقال: “التطوع وخدمة ضيوف الرحمن ليس وليد اليوم بل هو من مميزات قاطني الحرمين الشريفين في كل الأزمنة، فهي ثقافة أمة وشعب تميز بحسن الوفادة والرفادة والضيافة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمن. وقد بذل ولاة أمر هذه البلاد الطاهرة منذ عهد المؤسس رحمه الله تعالى الملك عبدالعزيز مرورًا بأبنائه من عهد الملك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله، وصولاً للملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله؛ جهودًا جبارة في خدمة الحجاج والمعتمرين، حيث وضعوا لنا رؤية الوطن الطموحة والتي تتطرق لكل نواحي الحياة وكل ما يمس الوطن والمواطن وضيوف بلاد الحرمين الشريفين. وقد حققت المملكة العربية السعودية مستهدف رؤية 2030 للعمل التطوعي (مليون متطوع) قبل موعده، حيث ارتفع عدد المتطوعين إلى أكثر من 1.75 مليون متطوع بنهاية عام 2025، مسجلين أكثر من 59 مليون ساعة تطوعية، وذلك وفقًا للتقارير الحديثة الصادرة عن منصة العمل التطوعي ووزارة الموارد البشرية. وقد تجاوز عدد المتطوعين الرقم الذي وضع في رؤية 2030 حيث من المتوقع أن يرتفع الرقم إلى ثلاثة أضعاف الرقم المطروح؛ وهذا يدل على حسن التربية الإسلامية لأبنائنا في هذا الوطن الغالي والذي يؤصّل التطوع في المجتمع والأسرة والأفراد منذ الصغر وبذلك ينشأ المجتمع محبًا لعمل الخير والتطوع، حيث يستقبل الأبناء والبنات المتطوعين حجاج بيت الله الحرام في مداخل الوطن في المطارات والموانئ والمداخل البرية والبحرية والجوية بالورود والمصاحف والهدايا وكتيبات التوعية بالعمرة والحج في منظر مهيب لا ينساه ضيوف الرحمن أبدًا. وهناك بعض المؤسسات الخاصة في هذا المجال مثل هدية الحاج والمعتمر في مكة المكرمة والتي تستقبل الحاج والمعتمر في الحرم المكي الشريف وفي مكاتبها في مناطق متفرقة من مكة المكرمة، وتزور الحجاج في أماكن إقامتهم وتقدم لهم المصاحف وقوارير ماء زمزم وكتيبات الأدعية بلغات مختلفة وغيرها من الهدايا مثل الحلوى والمخبوزات في أسلوب مميز جدًا لضيوف الرحمن؛ بحيث تكون هذه الرحلة الإيمانية لها ذكريات جميلة في نفوس قاصدي الحرم المكي الشريف. وتجد المتطوعين من أعمار مختلفة منهم الشباب والنساء والرجال؛ والجميل أن الكثير منهم يجيدون العديد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والهندية والتركية والماليزية والعديد من اللكنات الأفريقية ولغات دول جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا بكلّ ثقة واقتدار”. أروع صور العطاء من جانبه، قال د. تركي بن حمود الحويطي: “مع بدء موسم الحج لهذا العام، يواصل متطوعو ومتطوعات المسجد الحرام تقديم أروع صور العطاء الإنساني في خدمة ضيوف الرحمن، من خلال الإرشاد والتنظيم ومساعدة كبار السن وتقديم الدعم للحجاج والمعتمرين بكل تفانٍ وإخلاص. وتعكس هذه الجهود القيم الأصيلة لأبناء وبنات الوطن الذين يجسدون صورة مشرقة للمملكة في خدمة الإسلام والمسلمين، ويتركون في نفوس زوار بيت الله الحرام أثرًا إنسانيًا عظيمًا، بوصفهم خير سفراء لوطنٍ يفتح ذراعيه دائمًا لقاصديه لأداء مناسك الحج في أجواء إيمانية وروحية عظيمة. وتأتي هذه الجهود امتدادًا لرسالة المملكة العربية السعودية في خدمة الإسلام والمسلمين، وحرصها الدائم على توفير أقصى درجات الراحة والأمن والطمأنينة للحجاج، ليؤدوا الركن الخامس من أركان الإسلام في أجواء إيمانية وروحية مفعمة بالسكينة والتنظيم. وفي كل عام، يثبت أبناء وبنات الوطن أن خدمة ضيوف الرحمن ليست مجرد مهمة موسمية، بل ثقافة متجذرة وقيمة وطنية راسخة، تعكس تلاحم القيادة والمجتمع في خدمة الحرمين الشريفين، وترسم صورة مضيئة للعمل الإنساني السعودي أمام العالم أجمع”. التطوّع في الحج… حين يصنع شباب المملكة مشهدًا إنسانيًا وأكدت د. هيفاء فقيه أنه “في كل عام، ومع تدفّق ضيوف الرحمن إلى مكة المكرمة، تتجدد واحدة من أعمق صور العطاء في المجتمع السعودي: التطوّع في الحج. وفي قلب هذا المشهد، يقف شباب وشابات المملكة كطاقة حيّة تحمل روح الوطن، وتقدّم للعالم نموذجًا فريدًا في الخدمة والانتماء والإنسانية. فحضور شباب المملكة العربية السعودية لم يكن مجرد صورة، بل سلوكًا احترافيًا تجاوز حدود الواجب، واستند إلى قيم إسلامية راسخة، كما في قول الله تعالى: “وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ”. ولم يعد التطوّع في الحج مبادرة موسمية، بل أصبح سلوكًا وطنيًا راسخًا يعكس وعي الجيل الجديد، واستعداده لتحمّل المسؤولية، وقدرته على تمثيل المملكة بأبهى صورة. إنهم يقدّمون للعالم درسًا في الضيافة الإسلامية الأصيلة، والعمل بروح الفريق، والالتزام والانضباط، والقدرة على التواصل مع ثقافات متعددة، فالحج مساحة تتقاطع فيها أكثر من 150 جنسية، ويصبح فيها المتطوع السعودي جسرًا إنسانيًا بين العالم والمشاعر المقدسة. ويقوم المتطوعون بأدوار واسعة تتطلب مهارة واحترافية، من بينها: الإرشاد الميداني وتوجيه الحجاج، مساعدتهم في التنقل، وتسهيل وصولهم إلى المشاعر، والدعم الصحي من إسعافات أولية، توعية، ومساندة الفرق الطبية، والترجمة فهم جسر لغوي بين الحجاج والجهات الرسمية، وكذلك الخدمات التقنية من دعم التطبيقات والخرائط الرقمية وإدارة البيانات، وتنظيم الحشود وهي مهارة دقيقة تتطلب حضورًا ذهنيًا وذكاءً اجتماعيًا. وعلى تنوّع هذه الأدوار، فإنها تصنع صورة واحدة: صورة وطن يضع خدمة الإنسان في مقدمة أولوياته. فالتجربة التطوعية في الحج ليست مجرد ساعات عمل، بل مدرسة شخصية وتجربة إنسانية تُنضج الوعي وتُهذّب الروح، وانطلاقًا من رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي جعلت التطوّع قطاعًا استراتيجيًا، يُعدّ المتطوع السعودي سفيرًا لوطنه من خلال ممارساته وسلوكياته ومسؤوليته. وكلها رسائل تصل إلى العالم دون خطاب رسمي. ولهذا أصبح التطوّع في الحج جزءًا من القوة الناعمة للمملكة. ولبناء مستقبل يليق بجيل يرى في العطاء جزءًا من هويته، تتجه المملكة اليوم إلى تعزيز التطوّع المتخصص، وفتح مسارات جديدة للشباب، مثل: التطوع الرقمي، والاستدامة البيئية في الحج، والابتكار في إدارة الحشود، والتطوع الصحي واللغوي والتقني”. التطوع أحد أهداف الرؤية الميمونة من جهته، أكد الأستاذ عبدالرزاق سعيد حسنين أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى مليونية المتطوعين إناثًا وذكورًا، باستقطابها المواهب السعودية في العديد من المجالات، وتسعى وزارة الموارد البشرية إلى تنظيم القطاع غير الربحي، لحفظ حقوق المتطوعين وتحديد ساعات عملهم، لخلق بيئة جيدة لهم، وتزويدهم بشهادات معتمدة تثري مسارهم الوظيفي. ويعتبر التطوع من أهداف رؤية المملكة 2030، التي تعتبر المتطوع سفيرًا للمملكة، نظرًا للدور الذي يقوم به في خدمة الحجاج والمعتمرين، ولضمان حسن الاختيار حددت رئاسة شؤون الحرمين الشريفين منصة خاصة، يتم من خلالها التقديم المبكر للسعوديين والمقيمين طالبي خدمة التطوع، وتحرص على إعطاء المتقدمين للخدمات التطوعية ساعات تدريب، يتم من خلالها تأهيلهم للتطوع في منظومة تكاملية، تراعي فيها اللياقة البدنية والفئة العمرية، لتحدد مهامهم عبر فرق وساعات عمل لا تتجاوز 8 ساعات، يشملها فترات راحة حفاظًا على سلامتهم. ومن الجميل أن حرصت وزارة التعليم على إلزام طلاب الجامعات والتعليم العام بساعات تطوعية، تسجل ضمن متطلبات التخرج الأساسية، ويعتبر العمل التطوعي مزيجًا من الشغف الروحي والجهد البدني، الذي أوصانا به ديننا الإسلامي الحنيف لخدمة ذي الحاجة والملهوف ابتغاء مرضاة الله”. جزء مهم من منظومة النجاح وأشارت أ. علا العلوي إلى تأهب وحرص جميع القطاعات الحكومية على خوض موسم الحج في كل عام، مبرزة دور المتطوعين والمتطوعات الذين يعدون جزءًا مهمًا من منظومة الحج ونجاحه، وأضافت: “تنظم منصة العمل التطوعي جهود المتطوعين والمتطوعات، كل حسب مجاله، حيث يقدمون العديد من الخدمات لضيوف الرحمن، كما يعتمد المتطوعون على الإرشاد المكاني أو ما يُعرف بـ Walking Guide وهو برنامج حديث يقدم إرشادات ميدانية للزوار، خاصة المسنين، ووسيلة أخرى مما يسهل التواصل مع زوار البيت الحرام من جنسيات مختلفة، كالترجمة والإعلام والتوجيه، ومن ضمن البرنامج التطوعي أيضًا التوعية والثقافة الدينية ودروس تهدف لتعزيز تجربة العمرة والحج والمصلين والزوار. ويسهم العمل التطوعي في تعزيز أواصر الانتماء للوطن وإبراز المسؤولية التي تقع على عاتق كل متطوع ومتطوعة، رغبة منهم في خدمة ضيوف الرحمن من خلال المشاركة الفعالة مما يدعم التكافل والتآزر وبناء القدرات من خلال العمل التطوعي، موضحين بذلك انتمائهم وحرصهم على تقديم فرص إنسانية في المقام الأول، ومن ثم إبداء ولائهم لهذا البلد المعطاء وتفانيهم في كسب الأجر في المقام الأول، ومن ثم غرس صورة مشرفة لدى الزوار عن موسم الحج والعمرة وعن مدى الخدمات المقدمة منهم، تحية من القلب للمتطوعين والمتطوعات الذين ضحوا بوقتهم وراحتهم وبذل الجهود الجبارة التي تدفعهم إنسانيتهم للخوض في معترك موسمي سنوي من أجل أن يكلل موسم الحج بالنجاح على أكمل وجه”. سواعد بيضاء في أطهر البقاع بدورها، قالت د. شروق بنت شفيق الشلهوب: “مع وصول أفواج حجاج بيت الله الحرام بمكة المكرمة لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، ترتدي العاصمة المقدسة أبهى حُللها الإيمانية، وتستنفر المملكة العربية السعودية طاقاتها البشرية والآلية لتقديم تجربة استثنائية لضيوف الرحمن في رحلتهم الإيمانية الروحية العظيمة. وفي قلب هذه المنظومة المتكاملة، تبرز سواعد وطنية معطاءة من أبناء وبنات وطننا الأغر، نذروا أنفسهم ليكونوا العين الساهرة واليد الحانية التي تمتد لتوجيه الحجاج، والتخفيف من مشقة مناسكهم في وقت مخصوص ومكان مبارك. إن جهود متطوعي ومتطوعات الحرم المكي الشريف تتجاوز مجرد تقديم مساعدة بدنية أو توجيه مكاني؛ بل هي تجسيدٌ حي لقيم متجذرة في الهوية السعودية، وتحمل في طياتها أبعادًا إنسانية عميقة حيث كانوا خير سفراء لوطن العطاء حيث يمثل المتطوعون الواجهة المشرقة للمملكة، التي تفتح أذرعها على الدوام باعتزاز وفخر لاحتضان قاصديها. وبابتسامتهم الدائمة وكلماتهم الطيبة، يترجمون نهج القيادة والشعب في حسن الوفادة والرفادة. وحيث كنت من ضمن المتطوعات في الحرم المكي تكمن ذكريات وجدانية من المواقف الإنسانية البسيطة، كإرشاد الحجاج وتنظيمهم أو سقاية ظامئ، أو رعاية شيخ مسن، يظل محفورًا في ذاكرة الحاج، ليعود إلى بلاده حاملاً معه صورة ذهنية نقية عن إنسان هذا الوطن المعطاء. لذا نفتخر دومًا بالريادة وتتكامل هذه السواعد مع الجهود الحكومية الكبرى، مما يسهم في انسيابية حركة الحشود وإدارة العمليات الميدانية بكفاءة واقتدار يعكسان التطور النوعي لشبابنا وفتياتنا. ومن واقع تجربة عشتها بنفسي وشرفتُ بتفاصيلها كمتطوعة في أطهر البقاع، أدركتُ تمامًا أن خدمة ضيوف الرحمن شرفٌ لا يضاهيه شرف. لم يكن عملنا عشوائيًا، بل قام على حوكمة دقيقة، وتنظيم محكم، وتوزيع مدروس للمهام يضمن تقديم أرقى الخدمات الإنسانية والتنظيمية للمعتمرين والمصلين. وتلك التجربة جعلتني أوقن بأن أبناء وبنات هذا الوطن هم الثروة الحقيقية، وأنهم بكفاءتهم وحسهم الإنساني يمثلون الركيزة الأساسية لإنجاح كافة المواسم العظيمة”. الكشافة ودورها في التطوع وأوضح أ. أحمد صالح حلبي أن التطوع في خدمة ضيوف الرحمن، ينقسم لعدة مجالات منها التطوع التنظيمي، والذي يكون عادة من خلال الهيئة العامة للعناية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، ويتمثل في تنظيم المصلين داخل المسجد الحرام، وتنظيم عملية دخولهم للمطاف والسعي. كما أن هناك التطوع الإرشادي، والذي يقوم به عادة منسوبو الكشافة من خلال إرشادهم للتائهين عن مساكنهم ومخيماتهم في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة (عرفات، مزدلفة، منى). وأضاف: “هناك أيضًا التطوع الإسعافي والصحي، والمرتبط بتقديم الخدمات الإسعافية والصحية والذي تقدمه فرق صحية يكون منسوبوها عادة من منسوبي وزارة الصحة وطلاب وطالبات كليات الطب بالجامعات السعودية، والذين يشترط عليهم الالتحاق ببرنامج أساسيات التطوع الصحي في الحج، من أجل تأهيلهم وتدريبهم، وهناك تطوع الخدمات اللوجستية، والمتمثل في القيام بتوزيع الوجبات الغذائية بالطرقات أو من خلال المخيمات. والتطوع في خدمة الحجاج ليس بجديد، فقد برز لأول مرة من خلال مشاركة أول فرقة كشفية رسمية لخدمة الحجاج أواخر السبعينات الهجرية بـ 100 كشاف من مكة المكرمة، أما أول معسكر كشفي رسمي تأسس لخدمة الحجاج كان في مشعر منى فكان في عام 1382هـ/1962م، وهو يمثل بداية انطلاق معسكرات الخدمة العامة الرسمية لجمعية الكشافة العربية السعودية”. وتابع: “من مائة كشاف أواخر السبعينات إلى أكثر من (4700) كشاف وجوال قدموا خدماتهم لحجاج بيت الله الحرام خلال موسم حج العام الماضي 1446هــ، موزعين على (14) معسكرًا فرعيًا في مكة المكرمة ومشعرَي منى وعرفات، يقدمون خدمات تطوعية متنوعة لضيوف الرحمن. كما شاركت الفتاة السعودية الكشفية في خدمة الحجاج، وهذا ما أوضحته رئيسة لجنة فتيات الكشافة السعودية، صاحبة السمو الأميرة سما بنت فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود، بأن جمعية الكشافة العربية السعودية دفعت بـــ 355 فتاة من فتيات الكشافة للمشاركة في خدمة ضيوف الرحمن، ضمن أعمال معسكرات الخدمة العامة المقامة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والمدينة المنورة. والمتابع للأعمال التطوعية في خدمة الحجاج يلحظ ارتفاع أعدادهم عامًا تلو آخر ففي آخر إحصائية سجلتها الهيئة العامة للإحصاء نهاية موسم حج عام 1446هـ/2025م، أوضحت أن عدد المتطوعين من الجنسين الذكور والاناث داخل المشاعر المقدسة بلغ أربعة وثلاثون ألفا وخمسمائة وأربعون متطوعاً ومتطوعة، قدم خلالها المتطوعون أكثر من 2.1 مليون ساعة تطوعية لخدمة ضيوف الرحمن. كما شارك 5758 متطوعًا ومتطوعة استقطبتهم الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي في مهام الإرشاد المكاني، وتنظيم الحشود، وتقديم الدعم في المسجد الحرام باستخدامهم لاثنى عشر لغة مختلفة. ولا تنحصر فوائد التطوع على المستفيدين كالحجاج والمعتمرين، بل إن المتطوعين أنفسهم يجنون الكثير من الفوائد”. قوة ناعمة من جهتها، قالت أ. كفى عسيري: “تلك الابتسامات الصادقة، والأرواح النقية، والأجساد الرشيقة التي تتنقل بخفة هنا وهناك دونما كلل أو ملل، تسعى بكل ما أوتيت من وعي وتمكن وخبرة في تقديم الدعم النفسي والمعنوي إلى حجاج بيت الله الحرام لا يمكن أن يقال غير أنها قوة ناعمة. واثقون أن هذه الأعمال التطوعية الجليلة التي يقوم بها الشباب في الحرمين المكي والمدني هي بالفعل قوى ناعمة من شأنها ربط هذا المشروع الموسمي العملاق الذي تقوم به المملكة العربية السعودية حكومة وشعبًا بجهات العالم، بل ربط العالم بالحدث الأهم والأكبر وهي التفصيلات الكثيرة الغائبة عن عيون الإعلام العربي والعالمي، ألا وهي العناية بالحجاج دونما تفريق بينهم عرقًا أو لونًا أو لغةً، وليست عناية مشروطة أو مدفوعة الثمن، بل تطوعية مجانية، وليست كذلك فقط، بل من القلب وبكل بشاشة وحب وتقبل وتحمل لساعات العمل الطويلة في أي جهة من جهات الحرمين الشريفين، وتحت أي ظروف مناخية قاسية، ومع آلاف الأشخاص بمختلف الأعمار، والحالات الصحية المتفاوتة. ذلك دأب شباب وطننا ممن يقومون على خدمة الحجاج كل عام، يثبتون نيابة عنا أننا يد واحدة وقلب واحد مع قادتنا في سبيل تسهيل عملية الحج على الحجيج، والحرص معهم على صناعة ذكريات جميلة عن هذه الرحلة العمرية المهمة”. عطاءٌ يليق بقدسية المكان وعظمة الرسالة وتقول د. وفاء عبد العزيز محضر: “مع انطلاق موسم الحج لهذا العام، تتجدد في رحاب المسجد الحرام صورٌ مشرقة من صور العطاء الإنساني والعمل التطوعي، التي يجسدها أبناء وبنات الوطن في خدمة ضيوف الرحمن، ضمن منظومة متكاملة تسعى إلى توفير أعلى درجات الراحة والرعاية لقاصدي بيت الله الحرام، في رحلة إيمانية عظيمة تتجلى فيها معاني الإخاء والتراحم والتفاني. ففي أروقة الحرم المكي الشريف وساحاته وممراته، يبرز المتطوعون والمتطوعات بوصفهم أحد أهم روافد العمل الإنساني والخدمي خلال موسم الحج، حيث يقدمون جهودًا متواصلة في مجالات متعددة تشمل الإرشاد والتوجيه، وتنظيم حركة الحشود، ومساعدة كبار السن وذوي الإعاقة، وترجمة اللغات، والإسعافات الأولية، وتوزيع المياه والوجبات، إضافة إلى الدعم النفسي والمعنوي للحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم. وتحمل هذه الجهود معاني سامية تتجاوز حدود العمل التطوعي التقليدي؛ إذ تعكس القيم الأصيلة التي نشأ عليها المجتمع السعودي، من كرم الضيافة، وحب الخير، وخدمة الإنسان دون تمييز. كما تجسد الصورة الحقيقية لوطنٍ جعل من خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن رسالةً وشرفًا ومسؤولية تاريخية. ولا يخفى ما تتركه هذه الجهود من أثر بالغ في نفوس ضيوف الرحمن إذ تشكل صورة إنسانية ناصعة عن المملكة العربية السعودية وشعبها الكريم. ويأتي هذا الحراك التطوعي امتدادًا للرؤية الطموحة التي تتبناها المملكة العربية السعودية في تعزيز ثقافة العمل التطوعي وتمكين المجتمع من المشاركة الفاعلة في خدمة الوطن والإنسان، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي أولت العمل التطوعي اهتمامًا كبيرًا، بوصفه أحد المحركات الرئيسة للتنمية الاجتماعية وتعزيز المسؤولية المجتمعية. إن ما يقدمه متطوعو ومتطوعات الحرم المكي الشريف ليس مجرد أعمال تنظيمية أو خدمات موسمية عابرة، بل رسالة إنسانية وإيمانية عميقة، تؤكد أن خدمة ضيوف الرحمن ثقافة متجذرة في وجدان أبناء هذا الوطن”.