في كتاب «جدة والآخرون» للدكتور محمد مسلم نويلاتي..

جدة واجهت البرتغاليين طويلاً..والأحساء كانت بوابة هرمز الآمنة.

هذا هو الكتاب الأحدث من سلسلة كتب للمؤلف خصصها لمدينته المحبوبة جدة، وكما ذُكر في العنوان الجانبي فهو قراءة في الأهمية المكانية لمدينة جدة حتى بدايات القرن العشرين، ولكي تكون الصورة كاملة يمكن قراءة ما عرضناه عن كتاب “ تاريخ جدة في العصر المملوكي” للكاتبة سلوى عبد الرزاق سليمان(https://www.alyamamahonline.com/5914) ، لنكمل هنا عن تاريخ جدة في العصر العثماني، وتفصيل صراعاتها مع البرتغاليين. لهذه الطبعة ميزة عن باقى الكتب الشبيهة، هو أن الصور والخرائط التى عرضتها، وأغلبها صور تم التقاطها قديما، قد أجريت عليها تحسينات جعلتها في غاية التألق والوضوح، وعلى الأغلب فقد جرى ذلك باستخدام الذكاء الصناعي. شهد العالم الاسلامى مع بدايات القرن الميلادي السادس عشر موجة من الحروب الصليبية ضد الإسلام، لكنها أخذت هذه المرة شكل الكشوفات الجغرافية التي التفت على العالم الإسلامي بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، وقد عبرت عن الحقد الشديد على المسلمين والأطماع الاقتصادية المدمرة، استطاعت تحويل أعداد كبيرة من الهنود الوثنيين والهندوس وبعض المسلمين إلى المسيحية، وحولت الحبشة إلى المذهب الكاثوليكي. كذلك قامت بإحراق مدن وممالك العرب على الساحل الشرقى لأفريقيا وخليج عدن والسواحل الهندية، وهدمت مساجد الهند، وكانوا يقطعون طرق التجارة التي سادها المسلمون فيأخذون كل سفينة غصبا ويغتالون البحارة المسلمين على متنها، وصلوا إلى جدة عام ١٥٠٥ م ، فتصدى لهم المماليك، الذين ابتنوا سور جدة الثالث ولحقوا البرتغاليين حتى سواحل الهند فحققوا انتصارا محدودا في معركة شاول، لكن في العام التالي ١٥٠٩م خسرؤا معركة ديو البحرية التي أنهت سيطرة المماليك على طرق التجارة. تعرضت جدة لخمس حملات برتغالية ، أُولاها كانت بقيادة القائد الدموي بوكيرك، بدأ بحصار عدن ولكنه فشل في اقتحامها ثم عبر مضيق باب المندب ، فاحتل جزيرة كمران ، دمرها وأباد سكانها ، وعندما اقترب من جدة تبين أن ساحلها المملوء بالشعاب البحرية ممتنع على السفن، كما لم تكن العواصف الجوية  مواتيةً له ، وأدرك خطورة الاستمرار ، ثم تهيأ له أنه يشاهد صليبا في السماء فوق الحبشة فحول مساره نحو الساحل الأفريقي، فشلت الحملة ولكنها أدت إلى تدمير طرق التجارة التي سيطر عليها العرب ، ولم تدخل ميناء جدة أية بضائع نحو ست سنين. الحملة الثانية كانت عام ١٥١٥م ، وأعلن قائدها البوكيرك أنه سيدمر مكة ثم يتوجه إلى السويس لتدمير الأسطول المصري، ولكنه بعد هذا الإعلان بشهر حول مسار سفنه نحو مضيق هرمز الذي كان له تجارة مزدهرة في مجال التوابل والأحصنة العربية، وهناك تغلب على المقاومة الفارسية بوحشية بالغة، ثم تحالف مع الدولة الصفوية وعاد إلى الهند حيث هلك، ولكنه ترك مخططات لغزو البحر الأحمر تركز على احتلال جدة لأنها أصبحت المركز الرئيس للمماليك في دفاعهم عن البحر الأحمر. تلت ذلك أكبر حملة برتغالية عام ١٥١٧م ، استغلت سقوط دولة المماليك وتحول السيطرة على جدة إلى العثمانيين. أضرموا النار في السفن الراسية  في ميناء جدة، فانتشر الهلع بين الناس وبدأوا في مغادرة جدة ، لكن حاكم جدة سليمان ريس طمأن الناس متحديا إمكانية احتلال جدة، ووضع خطة ذكية ، يحمل الناس فيها المشاعل و يسيرون فيما يشبه المظاهرات، وأطلقت حامية جدة مجموعة من القذائف نحو السفن البرتغالية ، لم تُحدث ضررا ولكنها أوقعت رعبا شديدا بين أفرادها ، كذلك ساهمت طبيعة ميناء جدة وشعابه البحرية، والذي يستلزم نزول الجنود إلى الساحل في قوارب صغيرة مما يعرضهم لموت مؤكد ، وكذلك السور الذي تم إعداده للحرب، والعواصف الهوائية التي لم يحتملها البرتغاليون، انسحب البرتغاليون فطاردتهم حامية جدة في البحر وتم أسر إحدى السفن بعد ضربها بالمدافع وعليها سبعة عشر جنديا ، وفي طريق عودة الأسطول البرتغالي فشل في السيطرة على عدن فتحول إلى الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، حيث دمروا مدينة زيلع ، ولكن الرياح أدت إلى جنوح إحدى سفنهم الرئيسة فتحطمت وقُتل المئات من البحارة. ومن الواضح أن وصول الإمدادات العثمانية قد ساهم في الدفاع عن جدة. وهذا ما أفشل الحملة الرابعة عام ١٥٢٠م ، رغم أنها جاءت بعد حصار اقتصادي طويل. لكنهم ارتدوا عن جدة خشية قيام الأسطول العثماني بمهاجمة الجزر التي يحتلونها في المحيط الهندي. ومن ثم خرجت حملة عثمانية اشتبكت مع البرتغاليين على شاطئ الهند، وحملة ثانية إلى اليمن، ثم حملة كبرى من مصر عُرفت بحملة سليمان الخادم حاكم مصر، وكانت استجابةً لاستغاثة مسلمي الهند بعد اغتيال البرتغاليين حاكم كجرات المسلم، مرت الحملة العثمانية بجدة، ثم توجهت إلى عدن فاستقبلهم حاكمها أحسن استقبال، ولكن الخادم اغتاله واستباح عدن واعتبر ذلك فتحا، بلغ ذلك مسلمي الهند فتوجسوا منه خيفةً ولم يتعاونوا معه، حاصرت الحملة قلعة ديو البرتغالية شهرا، ولكنها فشلت في اقتحامها. بعدها عاد الخادم إلى جدة وقد ترك خلفه سمعة سيئة للعثمانيين ، نال عليها  توبيخ السلطان العثماني على أفعاله ، إذ أدت تصرفاته إلى الفشل في تكوين جبهة إسلامية عريضة ضد البرتغاليين. كما استفز البرتغاليين للقيام بحملة مضادة.  الحملة البرتغالية الخامسة نجحت في إعداد خرائط تفصيلية للبحر الأحمر، كما دمرت مملكة هرر الاسلامية بعد مقاومة مجيدة رغم الإمدادات العثمانية، ولكنها اكتفت بقصف مدينة جدة، ولم يتمكن أسطولها من الرسو بالميناء لازدحامه بالسفن التي كانت تنتظر عودة الحجيج، وكان للحشد الذي جمعه شريف مكة محمد بن بركات أبو نمي دورا في الردع. ترك البرتغاليون جدة إلى ميناء سواكن فدمروه وأبادوا أهله، ثم دمروا ميناء القصير (مصر) وميناء الطور (سيناء). عندما وصلت الحملة إلى السويس حدثت معركة كبرى مع العثمانيين ، تعرض الطرفان لخسارة فادحة أدت إلى انسحاب الأسطول البرتغالي عائدا إلى الهند .   في عهد العثمانيين تأكد مركز جدة كمكان للقيادة والإدارة في البحر الأحمر وخاصة بعد أن أقاموا ولاية تابعة لجدة في سواكن على الشاطئ المقابل لمتابعة التحركات المعادية في البحر الأحمر والشاطئ الأفريقي، وعندما سيطروا على البصرة أصبحت الأحساء خط الدفاع الشرقي لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. صعوبة الرسو في ميناء جدة بسبب الشعاب المرجانية كانت مصدا لسفن الغزاة كما وهبت الميناء جمالا غير عادى للناظر من بعيد.  أعفى العثمانيون أهل الحجاز من بعض الضرائب وكان دخل جدة يقسم بالتساوي بين الشريف وسنجق جدة، وكان على سنجق جدة دفع مرتبات الموظفين والجند وتمويل الإصلاحات في الحجاز. واستجاب السلطان لطلب والي اليمن بألا يتم تحصيل ضرائب في موانئ اليمن على السفن المتوجهة إلى جدة وينبع، مما ساهم في عودة تجارة التوابل إلى الازدهار، وقد قُدرت كمية البهارات الواردة من جدة إلى مصر بخمسة وعشرين ألف قنطار. كما أوقف السلطان العثماني الكثير من قرى مصر لتعويض جدة عند انخفاض الدخل من الميناء.  استمر النمو الاقتصادى لجدة في القرنين السابع والثامن عشر بسبب تأمين الحماية العسكرية العثمانية، وحصول الإنجليز على امتياز النقل البحري من الهند إلى جدة، واستغلال السفن التي كانت تنقل غلال الحرمين الشريفين وأوقافها من مصر إلى جدة ثم تعود وقد حملت البضائع الهندية، وساهم ازدياد الطلب على البن اليمني في ازدهار الخط الملاحي من جدة إلى مصر. بعد ذلك قامت الدولة العثمانية بمنع عبور السفن الأجنبية شمال مدينة جدة لحرصها على أن يبقى البحر الأحمر بيد المسلمين، وأغرى هذا المتضررين ومنهم روسيا وشركة الهند الشرقية، فعملوا على تفكيك الدولة العثمانية، وهكذا دعموا حاكم مصر على بك الكبير في ثورته على العثمانيين. هدفهم كان تأمين حرية الملاحة مباشرة من الهند إلى ميناء السويس وتخطى ميناء جدة. استغل علي بك خلافات الأشراف فوجه حملة عسكرية بقيادة محمد أبو الذهب أخضعت الحجاز عام ١٧٧٠، ولكن الأهالي ثاروا عليه واضطر وجنوده للهرب بعد ثلاثة أشهر فقط من الاحتلال. وهنا عقد الإنجليز اتفاقا مع أبو الذهب ، تذهب فيه السفن الهندية مباشرة إلى السويس على أن تدفع ٨% فقط ضرائب بدلا من ١٤% كانت تدفعها في جدة. تضرر ميناء جدة وميناء البصرة من ذلك، ولكن السلطات العثمانية أصدرت مرسوما بالتصدي لأي سفينة تذهب مباشرة إلى السويس من الهند واستطاعت دفع القبائل العربية في مصر للقيام بنهب السفن التي تصل للسويس لصالح تجار القاهرة الذي وجدوا أن التجار الأوروبيين قد زاحموهم في بلدهم. وانتهى أمر هذا الخط عام ١٧٧٩ م ، فعادت جدة إلى الانتعاش وتطورت أنظمة جماركها لتعمل على أسس واضحة.  قُدر دخل الميناء في مطلع القرن الثامن عشر بين ٥٠٠- ٦٠٠ صرة ذهبية. عندما سيطر محمد على باشا على الحجاز، أعاد تنظيم السلطات الإدارية، وأصبح ميناء جدة وأوقاف الحرمين في مصر تحت إدارته المباشرة، واستخدمها ليمول طموحاته العسكرية، بينما فرض لشريف مكة أربعة آلاف قرش سنويا إضافة إلى ما تصرفه له الدولة العثمانية. وقد أدى هذا إلى زيادة دخل ميناء جدة. ورغم انتهاء حكم محمد على عام ١٨٤٠ بناء على معاهدة لندن، وعودة الحكم العثماني المباشر إلا أن ازدهار تجارة الترانزيت بعد دخول المراكب البخارية بدلا عن السفن الشراعية زاد من حظوظ ميناء جدة لأنه كان مهيئا لاستقبال هذا النوع من المراكب. إنشاء قناة السويس واحتلال مصر من قبل الإنجليز، وضعف السلطة العثمانية ، ثم احتلال الإنجليز لميناء عدن حسم الصراع على البحر الأحمر لصالح الإنجليز. فقد تحولت الكثير من التجارة مباشرة إلى السويس بدلا عن جدة، كما طور الإنجليز ميناء بور سودان، وأصبح البن اليمني يُشحن مباشرة من ميناء المخا إلى السويس، وهكذا نشأ فصل جديد من الصراع بين القوى الكبرى على البحر الأحمر والأماكن المقدسة، وقد تحدثنا عن ذلك في مقالات سابقة في اليمامة، منها (https://www.alyamamahonline.com/4438، أسرار فتنة جدة) بعد هذه السلسلة المتميزة من الكتب التي أصدرها المؤلف فإن صدور الكتاب المنتظر عن جدة في العهد السعودي، سيكون حدثا بهيجا.