من فيض الضياء الساطع في طيبة الطيبة الذي استمد منه بواكر إلهامه، انطلق الفنان التشكيلي زهير طولة ليصوغ تجربة إنسانية عالمية توجتها السعفة الذهبية ووسام مدينة ليون. عُرف بلقب الفنان الإنسان، وباتت ريشته ماركة مسجلة في الساحة المحلية لقدرتها الفريدة على تطويع الخطوط والألوان في محاكاة دواخل البشر وتطلعاتهم. نلتقيه في هذا الحوار لنبحر في أسرار منجزه الذي يجمع بين أصالة النشأة وحداثة الرؤية، متأملاً في قيم الفن وتحولاته الكبرى في ظل رؤية طموحة لمستقبل الفن والثقافة في المملكة. * كيف استطاعت أزقة المدينة المنورة العتيقة، بضوئها الساطع الذي استمددت منه إلهامك الباكر، أن تشكّل اللبنة الأولى في ذاكرتك البصرية قبل أن تصقلها تجربة التصوير الزيتي في محترف الفنان يوسف التهامي؟ ** المدينة المنورة لم تكن مكاناً عابراً في طفولتي، بل كانت أول مرسم روحي تعلّمت فيه معنى الضوء والسكينة والإنسان. الأزقة القديمة، الجدران الطينية، والوجوه العابرة كانت تصنع داخلي ذاكرة بصرية مشبعة بالشعور قبل الشكل. كنت أرى الضوء هناك ككائن حي يلامس الأشياء بحنان، وهذا ما انعكس لاحقاً في علاقتي بالألوان والظل. ثم جاءت تجربة التصوير الزيتي مع الفنان يوسف التهامي لتمنحني الوعي التقني، لكن الإحساس الأول وُلد في طيبة، هناك حيث تعلّمت أن الفن ليس رسماً لما نراه، بل لما نشعر به. * يصفك المقربون منك بأنك “لغز محير” كأعمالك تماماً؛ ما هي المساحة الفاصلة في فلسفتك الفنية بين وضوح الرسالة الإنسانية وبين الغموض التعبيري الذي يجعل من كل لوحة تساؤلاً مستمراً؟ ** أنا لا أتعمد الغموض بقدر ما أؤمن أن الفن الحقيقي لا يمنحك الإجابة كاملة. اللوحة عندي ليست شرحاً، بل حالة شعورية مفتوحة، وكل متلقٍ يراها من زاويته النفسية والإنسانية. أحب أن تكون الرسالة الإنسانية واضحة في إحساسها، لكنها غير مكتملة في تفسيرها، لأن اكتمال المعنى يُنهي دهشة الفن. لذلك أترك دائماً مساحة للصمت داخل العمل، مساحة تجعل المتلقي يشارك في اكتشاف اللوحة لا مجرد مشاهدتها. * انطلاقاً من إيمانك بأن “الفن وُجِدَ من أجل الإنسان”، تبرز الوجوه في لوحاتك كعنصر محوري؛ كيف تطوع الملامح والحواس لتكون لغة عالمية تخاطب العقول وتجسد صراعات الوجع والوجد كما في مشروع “100 وجه”؟ ** الوجه بالنسبة لي ليس ملامح فقط، بل وطن كامل للمشاعر. العين تحمل تاريخاً، والخطوط تحمل تعب الزمن، وحتى الصمت داخل الوجه له صوت. في مشروع “100 وجه” كنت أبحث عن الإنسان المجرد من هوياته الضيقة؛ الإنسان الذي يشبه الجميع في ضعفه، وحنينه، وخوفه، وأحلامه. لذلك كانت الوجوه عندي أقرب إلى مرايا داخلية، وليست صوراً شخصية، ولهذا يتفاعل معها الناس مهما اختلفت ثقافاتهم. * تظهر في أعمالك ضربات فرشاة توصف بالعنفوان، مع ميل واضح للألوان الصحراوية؛ إلى أي مدى تعكس هذه الحدة في الخطوط وتراكم الألوان طبيعة الأرض الجبلية والصحراوية التي نشأت في أحضانها؟ ** أنا ابن بيئة تحمل القسوة والجمال في الوقت ذاته، وهذا التناقض يظهر تلقائياً في لوحاتي. الصحراء ليست فراغاً كما يظن البعض، بل ذاكرة ممتلئة بالصبر والعمق والروح. لذلك تأتي ضربات الفرشاة عندي حادة أحياناً، لأنها تشبه تضاريس الأرض والإنسان الذي يعيش فوقها. أما الألوان الترابية والصحراوية فهي امتداد بصري ووجداني لطفولتي الأولى، وكأنني أحمل الأرض معي داخل كل لوحة. * في معرضك “مخلدات الأرض”، ربطت بين عواطف الإنسان وبين المدائن المنثورة على خدود الصحراء؛ كيف استطعت تحويل تلك الصفحات الحجرية الصماء إلى رموز حية تروي أسرار العاشقين وتقاوم عوامل الفناء؟ ** أنا أؤمن أن الأماكن تحتفظ بمشاعر من مرّوا بها. المدن القديمة بالنسبة لي ليست حجارة صامتة، بل أرواح متراكمة عبر الزمن. في “مخلدات الأرض” حاولت أن أجعل الجدار يتكلم، وأن يتحول الحجر إلى ذاكرة إنسانية تنبض بالحب والفقد والانتظار. كنت أرى أن الفن قادر على إعادة الحياة لما يظنه الناس منتهياً، ولذلك تعاملت مع الصحراء كأنها دفتر أسرار مفتوح منذ آلاف السنين. * حصدت جوائز دولية رفيعة كـ “السعفة الذهبية” من بلجيكا ووسام الشرف من مدينة ليون؛ كيف ساهم هذا الحضور العالمي المبكر في تعزيز قناعتكم بأن الإبداع قيمة مطلقة مرتبطة بالروح ولا تعترف بالتقسيمات العرقية أو الجغرافية؟ ** عندما عُرضت أعمالي خارج الوطن أدركت أن المشاعر الإنسانية واحدة مهما اختلفت اللغات والثقافات. الفن الصادق يعبر الحدود دون مترجم، لأنه يخاطب الروح مباشرة. الجوائز كانت جميلة كتقدير، لكنها أكدت لي شيئاً أعمق، وهو أن الإنسان في كل مكان يبحث عن الإحساس الحقيقي والجمال الذي يشبهه. لهذا أؤمن دائماً أن الإبداع لا يحمل جنسية، بل يحمل صدق صاحبه فقط. * تحضر المرأة في منجزك الفني بصور دافئة كالأم التي تحمل آلام الحياة أو الزوجة الحبيبة؛ كيف ترى دور الأنثى في الارتقاء بالقيم الأخلاقية للبشرية من خلال فنّك؟ ** المرأة في أعمالي ليست عنصراً جمالياً فقط، بل رمز للحياة والاحتواء والرحمة. أراها القوة الناعمة التي تحفظ توازن الإنسان وسط قسوة العالم. لذلك تظهر في لوحاتي كأم تحمل التعب بصبر، أو كحبيبة تمنح الروح دفئها، أو ككائن يزرع المعنى في الحياة. الفن بالنسبة لي لا ينفصل عن القيم الإنسانية، والأنثى كانت دائماً إحدى أعظم تجليات هذه القيم. * وُصفت شخصيتك الفنية بأنها “ماركة مسجلة” في الساحة المحلية نظراً لخصوصية أسلوبك وتفرده؛ أين تجد بصمتك الخاصة وسط تداخل الأساليب العالمية وميلك الدائم نحو التجريد والتنقيب عن الوسائل المعاصرة؟ ** البصمة لا تُصنع بالتشابه، بل بما يتركه الفنان من أثره الداخلي داخل العمل. أنا لا أبحث عن الانتماء لمدرسة بقدر ما أبحث عن الصدق مع إحساسي الخاص. التجريد عندي ليس هروباً من الواقع، بل محاولة للوصول إلى جوهره العاطفي والإنساني. ربما لهذا تبدو أعمالي مختلفة، لأنها لا تبدأ من الفكرة فقط، بل من الحالة الشعورية التي أعيشها أثناء الرسم. * في ظل الهيمنة الرقمية، تصر على رفض استخدام التكنولوجيا لإخفاء ضعف العمل الفني؛ كيف تحافظ على روح العمل وحياته من الانطفاء أمام برودة المنجز التكنولوجي الذي قد يفتقر للصدق الفني؟ ** أنا لست ضد التكنولوجيا، لكن ضد أن تتحول إلى قناع يخفي ضعف الإحساس. العمل الفني الحقيقي يحمل نبض صاحبه وآثاره وانفعاله الإنساني، وهذه الأشياء لا يمكن اصطناعها بالكامل عبر الأدوات الرقمية. قد تساعد التكنولوجيا في التطوير أو العرض، لكنها لا تستطيع أن تمنح اللوحة روحها إذا كانت فارغة من الداخل. لذلك أحرص دائماً أن يبقى الإنسان هو المصدر الأول للفن، لا الآلة