هجرة.. فيلم يجعل القلق رفيقك.
توجد أفلام تعتمد على المفاجأة وأخرى تعتمد على الحدث وثالثة تراهن على الشخصيات، لكن فيلم “هجرة” 2025 للمخرجة السعودية “شهد أمين” وانتاج مشترك جمع عدة منتجين وشركات فنية، ينتمي إلى فئة مختلفة؛ فئة تجعل القلق نفسه هو البطل الخفي الذي يسير إلى جانب الشخصيات منذ اللحظة الأولى وحتى المشهد الأخير، إنه فيلم طريق لكنه أيضاً رحلة نفسية طويلة لا تمنح المتفرج فرصة للاستقرار أو الاطمئنان لأن شيئاً ما يبدو دائماً على وشك الانهيار. منذ نجاح فيلمها الأول الطويل “سيدة البحر” 2019، أثبتت شهد أمين أنها مخرجة تمتلك حساً بصرياً خاصاً، وتبحث عن الحكايات التي تنطلق من أسئلة إنسانية واسعة. وفي هجرة، ثاني أفلامها الروائية الطويلة، تواصل هذا المسار، مستندة إلى رحلة امرأة مسنة تسافر مع حفيدتيها في رحلة مرتبطة بالحج، لكن الرحلة تنقلب إلى بحث مؤلم ومليء بالمخاطر عندما تختفي إحدى الحفيدتين، فتعدل عن أداء الفريضة لتبحث عنها مع حفيدتها الصغرى عبر مناطق متعددة في غرب المملكة دون فائدة، وخلال هذه الرحلة يستكشف الفيلم العلاقات الإنسانية بين النساء، ومعاني الفقد، والبحث، والانتماء. في عمل استغرق تطويره سنوات عدة وصُوّر في عدد من المدن والمواقع الطبيعية المختلفة. أكثر ما يلفت الانتباه في الفيلم هو ذلك الإحساس المستمر بعدم اليقين، فالمشاهد لا يعرف إلى أين تتجه الحكاية تماماً، ولا يشعر بأن الطريق آمن، ولا يملك تصوراً واضحاً عمّا ينتظر الشخصيات في المحطة التالية. هذا النوع من الكتابة يمنح الفيلم توتراً متواصلاً، لكنه في الوقت نفسه قد يربك بعض المتفرجين الذين يفضلون حبكات فيها شيء من المتعة والتوقع. شهد أمين تتعامل مع الطريق بوصفه فضاءً لاختبار الشخصيات. الصحراء والقرى والمدن التي تمر بها الشخصيات عناصر فاعلة في تشكيل الحالة الشعورية للفيلم. الكاميرا تتحرك بهدوء وثقة، وتمنح الأمكنة وقتها الكافي كي تتنفس أمام المتلقي. هناك إيمان واضح بقوة الصورة، ورغبة في جعل المشاهد يعيش الرحلة ولا يراقبها من الخارج. وتبدو انسيابية العمل واحدة من أبرز نقاط قوته. فالفيلم ينتقل بين محطاته المختلفة بسلاسة، دون أن يشعر المشاهد بانقطاعات حادة أو قفزات مزعجة. حتى عندما تتباطأ الأحداث، فإن هذا البطء يبدو مقصوداً ومنسجماً مع طبيعة الحكاية. فشهد أمين تنتمي إلى السينمائيين الذين يفضلون الإيقاع التأملي على الإيقاع المتسارع، ويثقون بأن الصورة قادرة على حمل جزء من السرد دون الحاجة إلى الإفراط في الحوار. لكن هذه الانسيابية لا تعني غياب الملاحظات النقدية. فالفيلم أحياناً يقترب كثيراً من حدود التكرار الشعوري، ويعيد إنتاج الإحساس ذاته عبر مشاهد متعددة. كما أن بعض لحظاته تبدو أكثر اهتماماً بالمزاج البصري من تطور الحدث الدرامي، وهو ما قد يجعل زمن الفيلم يبدو أطول مما هو عليه فعلياً. على مستوى الأداء التمثيلي، تحمل خيرية نظمي العبء الأكبر في الفيلم من خلال شخصية الجدة “ستي”. وهي شخصية مركبة تعيش مزيجاً من القوة والألم والحنين والغضب الداخلي. وقد نجحت خيرية في منح الشخصية صدقاً إنسانياً واضحاً، خصوصاً في المشاهد التي تعتمد على التعبير الصامت أكثر من الحوار. غير أن الدور نفسه لم يفسح المجال أمامها لاستعراض كامل إمكاناتها التمثيلية. فالشخصية بقيت محكومة بحالة وجدانية واحدة تقريباً لفترات طويلة، ولم تحصل على التحولات الدرامية الحادة التي تسمح للممثلة بإظهار مساحات أوسع من أدواتها الفنية. لذلك يخرج المشاهد وهو يشعر أنه شاهد أداء جيداً ومحترماً، لكنه لا يشعر أنه شاهد خيرية نظمي في ذروة طاقتها التمثيلية. هناك دائماً إحساس بأن الدور كان قادراً على تقديم المزيد، وأن الممثلة كانت تملك ما يمكن أن تضيفه لو منحت مساحة أرحب للتنوع الانفعالي. وقد أشارت خيرية نفسها إلى أن الشخصية تحمل غضباً داخلياً وأثقالاً نفسية ترافقها حتى نهاية الفيلم. في المقابل، يبدو نواف الظفيري أحد أبرز عناصر القوة في الفيلم. فحضوره يأتي مختلفاً عن بقية الشخصيات، ويضخ في العمل قدراً من الحيوية التي يحتاجها بين حين وآخر. أداء الظفيري يتسم بالبساطة والاقتصاد في التعبير، لكنه يمتلك قدرة واضحة على جذب الانتباه. وفي عدد من المشاهد يشعر المتفرج أن الكاميرا تنجذب إليه بطبيعية، بسبب حجم الدور والكاريزما الهادئة التي كان يحملها. وربما يمكن القول إن نواف الظفيري كان أحد الأسباب التي رفعت روح الفيلم في بعض أجزائه. فعندما يقترب العمل من مناطق التأمل المفرط أو البطء الزائد، يأتي حضوره ليمنح السرد شيئاً من التوازن. لا يقدم أداءً استعراضياً، لكنه يترك أثراً واضحاً بعد انتهاء المشهد، وهي ميزة لا يمتلكها كل الممثلين. أما بصرياً، فيواصل الفيلم تقديم المملكة بوصفها فضاءً سينمائياً غنياً ومتنوعاً. الجبال والوديان والصحارى والطرق الطويلة تتحول إلى شخصيات إضافية داخل الحكاية. ومن الواضح أن فريق التصوير استثمر هذه المواقع بعناية كبيرة، فخرجت العديد من اللقطات بجمال تشكيلي لافت. غير أن قيمة هذه الصور تكمن في قدرتها على تعزيز شعور التيه والبحث الذي يسيطر على الفيلم بأكمله. لا يبدو “هجرة” فيلماً يسعى إلى إرضاء جميع الأذواق، إنه عمل يراهن على المزاج أكثر من الحدث، وعلى الإحساس أكثر من المفاجأة، وعلى الرحلة أكثر من الوصول. وقد يخرج بعض المشاهدين، خصوصاً فئة الشباب، كما تم ملاحظته في صالة السينما، وهم يشعرون بالارتباك ويتركون الفيلم في منتصفه، بينما سيجد آخرون في هذا الارتباك تحديداً مصدر جاذبيته. ما ينجح الفيلم في تحقيقه بامتياز هو خلق حالة مستمرة من القلق والترقب، تجعل المشاهد يسير مع الشخصيات وهو يتساءل في كل لحظة: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أما ما كان يحتاجه أكثر، فهو تعميق بعض الشخصيات ومنح ممثليه، وفي مقدمتهم خيرية نظمي، مساحة أوسع للكشف عن إمكاناتهم الكاملة. ومع ذلك يبقى “هجرة” خطوة مهمة في مسيرة شهد أمين، ومؤشراً على مخرجة تمتلك مشروعاً بصرياً واضح الملامح، وتواصل البحث عن لغتها الخاصة في السينما السعودية، حتى عندما تختار طرقاً وعرة ومليئة بالقلق مثل الطريق الذي سلكته في هذا الفيلم.