جامعات على مائدة الذكاء.
من المهم لطالب الدراسات العليا وكل من ينشد المعرفة طريقاً أن يتمكن من أدوات البحث العلمي، وأن يمتلك قبل ذلك عقلاً نقدياً يفكر ويحلل ولا يأخذ الأمور على عواهنها دائماً. ومع دخول الذكاء الاصطناعي يُفترض أن يكون التعاطي مختلفاً. اليوم استنهض الذكاء مراكز الدراسات والجامعات والمؤسسات العلمية، وأصبح الكل يدلو بدلوه، لكن الأكيد أن الجميع يبحث عن طريق آمن يحفظ للإنسان شخصيته دون أن يحرم نفسه من استثمار هذه الأدوات في سياقها الصحيح. أشياء كثيرة لا يمكن أن تبقى على حالها القديم مع هذا التحول، خذ على سبيل المثال: التكاليف والمهام التي يطلبها الأساتذة من طلابهم، فهل يعقل أن تظل على وضعها في ظل توافر أدوات ذكية تمنح إجابات دقيقة في ثوانٍ؟ وهل ستبقى صيغة الاختبارات كما هي دون أن يُعطى النقاش مع الطلاب والوقوف على طريقة تعاطيهم مع المعرفة جانباً حقيقياً من التقييم؟ وينسحب ذلك على أعضاء هيئة التدريس أيضاً، إذ باتوا أمام تحدي إعادة تصميم أساليب التدريس والتقييم بما يتجاوز النماذج التقليدية وكيفية استثمار إمكانات الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازلوا عن دورهم الجوهري في بناء العقول. جامعات العالم والمؤسسات العلمية جميعها تبحث عن طريقة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون أن يكون ذلك على حساب التفكير النقدي وغياب اللمسة البشرية. ومن أحدث الكتابات التي وقفت عليها كتاب “المهارة الخارقة Super Skill” لمؤلفه جو لازر الصادر في فبراير 2026، الذي يرى أن الاختيار الحقيقي ليس بين الذكاء الاصطناعي أو عدمه، بل في الاستثمار في إنسانيتك أولاً. فمن يُتقن فن السرد والتأثير والإقناع ثم يعزز قدراته بالذكاء الاصطناعي يجعل نفسه لا غنى عنه، أما من يجعل الذكاء الاصطناعي مهارته الأولى فسيجد نفسه مجرد مساعد للآلة. وفي ذات السياق تقدم ورقة بحثية صادرة عن منصة Wooclap بعنوان “الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي: رؤى من عشر جامعات” رؤيةً استراتيجيةً لتحوّل الجامعات نحو اعتماد الذكاء الاصطناعي بنيةً تشغيليةً لا مجرد أداة، تتمحور حول خمسة محاور: تخصيص مسارات التعلم، وتمكين أعضاء هيئة التدريس، وصون النزاهة الأكاديمية عبر التقييم الشفهي والمشاريع، وتعزيز التفاعل، وحوكمة التقنية. خلاصة الكلام إن الجامعات التي تُحسن قراءة هذا التحول ستجد في الذكاء الاصطناعي شريكاً يُعلي من قيمة العقل البشري لا يُقصيه.