تتناول هذه الدراسة استراتيجيّات بناء الخطاب الأنثويّ في ديوان “سماوات” للشاعرة الإماراتيّة الهنوف محمّد، متّخذةً من قصيدة “نخب سيّدي المُبهَم” أنموذجًا لتحليل الآليّات البلاغيّة التي توظّفها الشاعرة في التعبير عن الذات الأنثويّة. تنطلق الدراسة من تساؤل مركزيّ: كيف تبني الشاعرة خطابًا أنثويًّا قادرًا على مفاوضة اللغة والرموز التقليديّة دون مواجهة مباشرة؟ وتعتمد منهجًا تحليليًّا يستند إلى قراءة النصّ الشعريّ قراءة فاحصة تكشف عن استراتيجيّات الكتابة الأنثويّة في سياقها الإماراتيّ. ليس الهدف هنا تلمّس “صوت المرأة” في الشعر فحسب، بل فهم كيف تُحَوَّل اللغة نفسها إلى مساحة تفاوض مع سلطة النوع الاجتماعي المتجذّرة في اللاوعي الجمعيّ والخيال الثقافيّ، وذلك عبر آليات بلاغيّة دقيقة تتسلّل من داخل النظام اللغويّ نفسه لتفكيكه من الداخل. الشاعرة الهنوف محمّد هي شاعرة إماراتيّة، تشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة في اتّحاد كتاب وأدباء الإمارات. صدر ديوانها الأول “سماوات” عام 1996، يليه “جدران” (2005) و”ريح يوسف” (2012). حازت لقب “سفيرة الإبداع الفكري والثقافي لدول مجلس التعاون الخليجي”، كما اختارتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم عام 2015 ضمن “برنامج دبي الدولي للكتابة” فئة “تبادل الكتّاب”. تحتلّ الهنوف محمّد موقعًا متميّزًا في مشهد الشعر الإماراتي المعاصر، حيث استطاعت أن تؤسّس لصوت شعريّ خاصّ يمزج بين التجربة الأنثويّة والتأمّلات الفلسفيّة الكونيّة، في إضافة نوعيّة لقصيدة النثر الإماراتيّة ضمن سياق يشهد حضورًا نسائيًّا لافتًا يتجاوز الكتابة التقليديّة نحو كتابة الذات. وقد لفتت الشاعرة الأنظار بقدرتها على توظيف اللغة الشعريّة في استكشاف علاقة الذات بالوجود والآخر، دون الوقوع في فخّ الخطاب المباشر. تبدأ القصيدة باستدراج القارئ بوهم التحرّر: “اعتقدتُ أنّني تخلّصتُ من القيد الأنثويّ”، لتكشف فورًا أنّ هذا القيد هو “ملامحي الأنثويّة”. هذا الانزياح من الخارج إلى الداخل يشكّل أساس رؤيتها: إذا كان القيد كامنًا في الملامح، فالحلّ ليس في محوه، إنّما في إعادة كتابة دلالاته. وهنا يتجلّى وعي الشاعرة بأنّ الأنوثة هي هوية تُعاد صياغتها داخل النصّ لا عيب يُخفى، ولا دور جاهز يُفرض. السؤال “لِمَ خُلقَ مَن هو قوّامٌ علَيَّ؟” لا يبدو استفهامًا عابرًا، لكنّه إعادة طرح للسؤال الكونيّ نفسه من زاوية أنثويّة ترصد التناقض الكامن في نظام العلاقات التقليديّ. حين تضيف “لِمَ خُلقتُ أنا.... كي لا أعرف إلّا أبجديّة الخضوع؟” فإنّها تفكّك آليّات إنتاج هذا الخضوع عبر اللغة والثقافة معًا، ولا تسأل لماذا وُجد “القوّام”، بل لماذا وُجدت هي في موقع المستسلِم وحده. فالسؤال هو أداة تفاوض مع التاريخ والتراث والمجتمع. تستخدم الشاعرة أدوات النظام اللغويّ السائد لقلب معناه. الياسمين، وهو رمز الأنوثة التقليديّة الهشّة والعطرة، يتحوّل إلى فاعل “يسقط كبرياء الهواء”. إنّها استعارة ذكيّة تجعل من الرمز الأنثوي الناعم قادرًا على التغيير الجذريّ في محيطه. الهواء، الذي يرمز عادةً إلى الحرّية واللامحدوديّة، يُسقط كبرياءه أمام هذه الأنوثة الجديدة. النسمة الرقيقة تصبح “مثل انسياب الجدائل”، في استيلائها على عناصر الطبيعة لتكون امتدادًا للجسد الأنثويّ. الجسد هنا هو حضور وجوديّ يمتدّ إلى الكون كلّه. تمارس الشاعرة ما يمكن تسميته “سياسة التماثل المغاير”، حيث توظّف المفردات التقليديّة (الياسمين، الماء، النار، الجدائل) وتملؤها بدلالات جديدة ومغايرة. يبرز هذا جليًّا في علاقتها مع “النار”، رمز القوّة في التصوّر التقليديّ. قولها “أحبَّك... أيّها النار.... أحبّك” هو استحواذ لغويّ لا استسلام، يسحب من النار طابعها المرهب ويدخلها في دائرة الألفة والمحبّة. هذا الحبّ المعلن للنار هو إعلان هدنة مع القوّة المهيمنة، وهو استراتيجيّة تفاوض راقية: حين تحبّ النار، فإنّك تنتزع منها سبب عدائها لك. هي لا تطفئ اللهب إلّا أنّها تخبّئ ظلّه في جدائلها: “وجدائلي تخبّئ ظلّك”، فتعيد تأويل السلطة وتدمجها في نسيجها الخاصّ، فلا تبقى النار مصدر تهديد خارجيّ، إذ تتحوّل إلى جزء من الزينة والأسطورة الشخصيّة. حتّى “الظلّ” الذي تخبّئه الجدائل هو حضور خفيّ للآخر داخل الذات، حضور لا يُلغى ولا يُعلن، يُحتوى ويُدار بذكاء. إنّها علاقة جديدة مع القوّة: احتواء وتوجيه لا رفض ولا خضوع. تظهر لحظة بارعة حيث تتبنّى الذات مظهر الملتزمة: “أحاول أن أبدو مثل الباقيات الصالحات... أُداري جيدي وقدميَّ”. “الباقيات الصالحات” إشارة تحمل ثقلًا موروثيًّا وأخلاقيًّا، وهي نموذج الأنوثة المثلى في الثقافة السائدة. إعلان محاولة الظهور مثلهنّ هو اعتراف بمسافة، هو إقرار بأنّ هذا المثال مؤدّى ومصنوع، وليس حقيقة جوهريّة. إنّه أداء وقناع تكتيكيّ تختبئ خلفه حركة فاعلة: “أنتظر هذا الصاخب القادم من شراسة دمي”. تحت الامتثال الظاهريّ تتحضّر طاقة الوجود، وتحت “إدارة الجيد والقدمين” تنمو طاقة الدم وتتفجّر. النصّ هنا يرسم توازنًا دقيقًا بين الظاهر والباطن، بين الاجتماعيّ والبيولوجيّ، بين “الباقيات الصالحات” والصاخب القادم من الأعماق. “الانتظار” هنا هو تحضير واستعداد وتعبئة داخليّة. تبلغ المفاوضة ذروتها في إعادة تعريف العلاقة بين الذكر والأنثى من جذورها. قولها “الرجل كالقصيدة... كلاهما يشبه البحر” ينتزع الأسبقيّة من الذكر، فيصبح مشابهًا لشيء قابل للتأويل، والقصيدة بطبيعتها الإبداعيّة هي التي تشبّه لا التي تُشبَّه. ثم تفكّك التشبيه: “هي.... دلعُ الأمواج.. هو زَبَدٌ متكاثف”. الجوهر الحقيقيّ للبحر من نصيب الأنثى، بينما يُختزل الذكر في ظاهرة طارئة هي “الزبد” الذي يعلو ثم يضمحلّ. إنّها توزيع جديد للأدوار داخل المشهد الطبيعيّ نفسه. وتكتمل الصورة النهائيّة: “ينسابان على الماء بشراسة جنونيّة... هي.... انسياب الزبد على السيف.... وهو.... يتراقص معها حتّى العمق”. الأنثى حضور ناعم لكنه فاعل ومؤثّر، إنّها “انسياب الزبد على السيف” – تغطّي الأداة الحادّة وتلطفها. أمّا الذكر، فيفقد صلابته ليصبح شريكًا في حركة تفاعليّة، “يتراقص معها”، ويتبعها “حتّى العمق” الذي تختاره هي وحدها. العلاقة هنا تفاعل وانسجام، شراكة لا هيمنة. بهذا، تنتقل الشاعرة من سؤال التموقع إلى موقع يصوغ معنى جديدًا. تقدّم الهنوف محمّد نموذجًا للتفاوض الوجوديّ عبر اللغة: النصّ لا يصرخ ولا يهدم إنّما يتفاوض ويعيد البناء من الداخل، مستخدمة أدوات النظام نفسها لتخلخل هذا النظام من جذوره. تصبح القصيدة فضاءً تتحوّل فيه أدوات القيد إلى مفاتيح للتحرّر، وتصبح “أبجديّة الخضوع” نفسها مادّة خام لكتابة نقيضها. تبقى العلاقة مع “السيّد” في دائرة الإبهام، فالغموض هنا استراتيجيّة تتجاوز الأحاديّة نحو تعدد القراءات. تطرح تجربة الهنوف محمّد في قصيدة النثر جملة من الأسئلة التي تستدعي التأمل: كيف استطاعت الهنوف، عبر قصيدة النثر تحديدًا، أن تؤسّس لخطاب أنثوي مغاير يتجاوز المباشرة نحو المُهمَّش والمُبهَم؟ ما الذي أضافته تجربتها في “سماوات” إلى مسار قصيدة النثر في الإمارات، خصوصًا من حيث توظيف العناصر الكونيّة والطبيعيّة كفضاء للتفاوض الوجودي؟ هل يمكن اعتبار قصيدة النثر عند الهنوف جنسًا أدبيًّا أكثر قدرة على احتواء التناقضات الأنثويّة من غيره من الأجناس؟ كيف يمكن قراءة علاقة الشاعرة بالتقاليد الشعريّة العربيّة من خلال استعاراتها ورموزها في سياق قصيدة النثر الحداثيّة؟ وما مستقبل قصيدة النثر النسويّة في الإمارات في ضوء ما قدّمته الهنوف من نموذج يقوم على المفاوضة لا المواجهة؟ * شاعر وناقد سوري