الفنانة زينة سليم:

الحضارة بنيان رصين تراكمي لايأتي فجأة ولا بتنبؤات.

الفنانة العراقية زينة سليم؛ تراهن على الوعي وتؤمن بأن هنالك رسالة تخاطب بها الكون تكون قاسية احيانا، تسعى لتنقية مجتمعاتنا من وباء الجهل والتطرف، فالفن حسب رأيها كيان مستقل والثقافة رداء استحقاقي وليس سلعة استهلاكية تحددها اسواق المال، ترى التفاحة في اعمالها زائر محتال والوجوه انعكاس للوعي الداخلي، الفنانة العراقية -البصراوية ترى السياب كائن صعب فك لغزه ويستحق ان يكون خليلا خالدا في لوحة، كل مرحلة في اعمالها مقدسة لانها رسخت وجودها، تنتصر لزها حديد التي تحدت بلادة السطوح وقوانين العمارة وخصت رواد الفن المعاصر في العراق ببرقيات شكر، شاركت في العديد من المعارض في العراق والوطن العربي والخارج، هنا حوار معها حول مجمل تجربتها وهي تسكن الغربة في كندا وحنينها أبدا للعراق. * «لم يعد لي شيئا أراهن عليه إلا بعض الشجاعة لتسليم الرسالة لعتبات السماء» ؛ هل الفنانة زينة قدرية ومستسلمة إلى هذا الحد؟! لم يعد شيئا أراهن عليه إلا بعض الشجاعة لتسليم الرسالة لعتبة السماء.. ليس تسليماً بقدر ما هو وعي لبعض الحدود المتاحة لدينا في مواقف ما، ففي كل مرحلة نعيشها هنالك رسالة نخاطب بها الكون، بعض الأحيان تكون قاسية نكون بها بأضعف نسخة منا حيث تتضائل بها الهيكل البشري لكن بنفس الوقت تتجلى فيها القوة الدافعة قوة الروح التي تتعلق بخيط رفيع غير مرئي يصلنا بالسماء وتنهض فينا روح المحارب. * يقول نيتشة: «يرفع الفن رأسه عندما تتراخى العقائد». حضارة كل امة برقي الفنون وتطورها؛ هل تلمس الفنانة سليم على المدى المنظور نهضة فنية وحضارية في المحيط العربي؟! النهضة الفنية و الحضارية في المحيط العربي.. من هنا من بلاد الثلج حيث اقطن في كندا لربع قرن لا استطيع ان أعطي تقييما دقيقا للحركة الفنية في الشرق الأوسط ، لكن تصوري العام ان الحضارة، هي بنيان رصين تراكمي ولا يأتي فجأة ولا بتنبؤات، يرتكز بالدرجة الأساس على الإخلاص والسعي الصادق والجاد وتفعيل المواهب الحقيقية ودعمها بكل الوسائل الممكنة بعيدا عن العلاقات الاجتماعية والمحسوبية، و السعي ايضاً لتنقية مجتمعاتنا من وباء الجهل والتطرف، فالفن كيان مستقل والثقافة رداء استحقاقي وليس سلعة استهلاكية تحددها أسواق المال و السوشيال ميديا. وبالتأكيد أنا أراقب من بعيد مشاهد مبهجة في الساحة الفنية من نشاطات و مهرجانات فنية و ثقافية ربما هي تبشر بتقدم ملحوظ في هذا المجال. * تحضر التفاحة في أعمالك وكأنها تحريض على الحياة كما تحضر حيوات جميلة كالقطط والكلاب؛ ما الذي تريد قوله زينة في هذا الجانب؟ التفاحة .. الرمزيّة في التفاحة تختلف من حالة لأخرى، فقد تناولها الكثير من الفنانين و في اللوجو في بعض الشركات. و التفاحة عندي هي زائرٌ محتال يحرك عتمة المشهد و احياناً يسرق القصة لصالحه.. فأحيانا تكون التفاحة قلباً طازجا يقدمها العاشق لحبيبته، واحياناً تكون برهاناً على أنوثة الأصابع وهي تلتقطها برقة. اما الحيوانات ،، كالقطة مثلا او الطيور فهم يأتون كاصدقاء للشخصية الرئيسية في العمل يخلقون حوارات عفوية تضيف للعمل الفني متعة و حكاية. * ترسمين الوجوه لاعمالك وكأنها تمارس فعل احتجاج ما على الكون والحياة ؛ من اين تستقي سليم وجوه شخصياتها؟ الوجوه في لوحاتي - الوجه في العمل هو انعكاس للوعي الداخلي (العقل الباطن) كما يسموه حيث تتشكل حسب الحالة التي نعيشها معا أنا والعمل فنحن مرتبطين بذلك الحبل السري الذي ترتبط به الام مع نسختها المصغرة التي تشكلت في رحمها. فالوجه في العمل يحاكي وجداني بكل ما فيه من احتجاج و حزن و شغف وعناد و خوف و سؤال حسب مزاجية الزمن و مناخه الذي نُفذ فيه العمل. * في لوحتك المعنية بالشاعر العظيم (السياب) بدى باسما على غير طبيعته ، هذا الشاعر الذي كابد الحياة بمرارة المرض والتعب؛ كيف تنظر الفنانة زينة للسياب؟ السياب .. ذلك الكائن الذي من الصعب فكّ لغزه، يضمد كل أوجاعه و كسوره بسطورٍ مختمرة بحب وشغف يخترق الجلد كأبرة من المورفين، لطالما ثار تساؤلي كيف يموت مبكرا من له هذا التأثير السائر لعصور غير منتهية من الإلهام، لهذا هو يستحق ان يكون خليلاً خالدا في لوحة. * ما الذي يعنيه لك الفنان محمد غني حكمت، وما رسالتك له في الغياب؟ محمد غني حكمت.. قانون اللاحدود، كالهياكل النحاسية والحجرية الراسخة التي ترسم ملامح بغداد و توثق تاريخ العراق القديم والحديث. * منذ معرضك الأول (حوار الطبيعة) 1999م حتى الآن، محطات كثيرة ومعارض وبلاد قريبة وبعيدة؛ اي المحطات هي الأقرب لقلبك ولماذا؟ اهم المحطات المهمة.. كل مرحلة هي مقدسة عندي لأنها صنعتني و قومتني و رسخت وجودي، كل إنجاز هو ابتسامة قصيرة لكل ما سبقها من مشاق وسعي وانكسارات و خيبات واجتهاد. * يقول سلفادور دالي : لكي ترسم يجب ان تكون مجنونا. ؛ برأيك ما الذي يعنيه دالي هنا؟!! لكي ترسم يجب ان تكون مجنوناً..دالي الجنون في الابداع، هو التخطي عن إمكانيات العقل المحدودة وفق منهج واقعي، أي لا تحاكي قوانين الجذب و التفكير المنطقية.. (الابداع هو تفوق الخيال على العقل وإبهاره) * جذورك من البصرة، حيث النخيل وشط العرب والعشار، حيث البلم والنوارس؛ اين كل ذلك في أعمالك؟! البصرة مسقط رأسي و لكني انتقلت مع عائلتي لبغداد وعمري شهرين حيث نشأت طفولتي وشبابي حتى غادرتها في ١٩٩٩ لكندا. كنت ازور اقاربي في البصرة بفترات متباعدة، مابعد الحرب والدمار كانت متعبة انهكتها الحروب و خرمت جدرانها الجميلة، لوثت هواء شط العرب برذاذ البارود لكن شبح الحروب لم يدنس نخيلها الشامخ ولم تتلوث طيبة وكرم أهل البصرة. من زياراتي الجميلة للبصرة (أبي الخصيب )، قرية السياب، وقرب جدول النهر الذي كان يكتب قربه السياب، رسمت لوحة وغرستها في الارض قرب نخلة ربما كان يسند عليها كتفه حين ينهكه الوحي. اما لماذا لم أتطرق للبصرة في لوحاتي، لأنني في أعمالي لا اشتغل على البيئة او توثيق أمكنة ومحاكاة واقعية، بل هي تنقلك للضفة الأخرى من الواقع، أمكنة مختلفة لم تطأها إدراكاتنا. * برقيات لو منحك الوقت كتابتها لبعض الفنانين ماذا تقولين لكل من: الفنان نوري الراوي، الفنان جواد سليم، الفنانة ليلى العطار، المبدعة زها حديد.؟ برقيات لفنانين رحلوا.. جواد سليم ، فائق حسن ، حافظ الدروبي ، ماهود احمد، محمد صبري ، ليلى العطار، وغيرهم من رواد الفن المعاصر في العراق ارسل لهم برقية حب و شكر وتقدير، انتم من أسستم وأثريتم الحركة الفنية التشكيلية في الشرق الأوسط و أثرتم بالفن على الذائقة الفنية الحديثة و اصبحتم قامات ملهمة لأجيال بعدكم. زها حديد.. الامرأة الحديدية التي تحدت بلادة السطوح المستقيمة وقوانين العمارة الكلاسيكية، فحولت الأبنية لأعمال نحتية عملاقة صلبة القوام لكنها منصهرة كمرونة الزئبق، اعتبرها تتمة حقيقة لحضارة عريقة عمرها تمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة قبل الميلاد حضارة مابين النهرين.