رفيق علي أحمد ضمن الشخصيات الأكثر تأثيراً في لبنان..

ذاكرة المسرح الحيّ وصوت الإنسان على الخشبة.

لا يقدّم الفنان اللبناني «رفيق علي أحمد» في كتابه «على خشبة الحياة» مجرد سيرة ذاتية تقليدية، بل يكتب بياناً فنياً يختزل تجربته مع المسرح بوصفه فعلاً وجودياً. فالنص أقرب إلى عرض مونودرامي مكتوب، تتداخل فيه السيرة الشخصية مع التحولات الاجتماعية والسياسية في لبنان، حيث يصبح الفرد مرآة لجماعة كاملة، والذاكرة الخاصة امتداداً لذاكرة وطن مثقل بالتجارب. وينتمي هذا العمل إلى سياق أوسع من تطور المسرح اللبناني الذي تبلور منذ ستينيات القرن الماضي، حين بدأت التجارب المسرحية في بيروت تمزج بين الحداثة الغربية والهوية المحلية. وفي هذا المناخ، برزت أسماء مثل روجيه عساف ويعقوب الشدراوي ومنير أبو دبس، الذين أسسوا لمسرح نقدي متصل بقضايا المجتمع. ومن هذا الإرث، صاغ رفيق علي أحمد صوته الخاص، متجاوزاً التقليد إلى ابتكار لغة أدائية قائمة على الجسد والذاكرة والحكي. فن الحكواتي ولعل أحد أبرز مفاتيح تجربة رفيق هو إحياؤه لفن الحكواتي، لكن بصيغة معاصرة. فهو لا يستعيد التراث كحنين فولكلوري، بل يحوّله إلى أداة نقد ومقاومة ثقافية، تربط بين هموم الناس اليومية وأسئلتهم الكبرى حول الهوية والانتماء. هنا يلتقي المسرح اللبناني مع امتداده في المسرح العربي، الذي عرف بدوره تحولات مشابهة، من المسرح السياسي عند سعد الله ونوس إلى التجريب في بلدان المغرب العربي. فلسفة المونودراما وفي قلب الكتاب، تتجلى فلسفة المونودراما بوصفها اختياراً فنياً لا مجرد تقنية. الوقوف وحيداً على الخشبة، كما يقدمه رفيق، ليس استعراضاً، بل مواجهة عارية مع الجمهور. الممثل هنا يتحول إلى وسيط إنساني، يختزل في جسده أصواتاً متعددة. من خلال أعمال مثل «الجرس» و«السكافي»، يبرهن أن ممثلاً واحداً قادر على تجسيد مجتمع كامل، مستعيناً بالصوت، والإيماءة، والإيقاع الداخلي للنص. كما يشكّل الكتاب مدونة توثيقية لمرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، حيث يربط بين تطور التجربة المسرحية والتحولات الكبرى، من الحرب الأهلية إلى التغيرات الاجتماعية. في هذا السياق، تصبح الخشبة مساحة مواجهة، لا ترفيهاً، ومختبراً لطرح الأسئلة بدل تقديم الإجابات. وتعكس لغة الكتاب الصادر حديثاً عن دار «هاشيت أنطوان» البيروتية هوية صاحبه؛ فهي قريبة من نبض الشارع، خالية من التعقيد، لكنها مشبعة بوعي فني عميق. هذه البساطة المدروسة هي ما يمنح النص قدرته على مخاطبة القارئ العادي والباحث المتخصص في آن واحد. وفي المحصلة، لا يمكن قراءة «على خشبة الحياة» بوصفه مجرد سيرة فنان، بل كجزء من سردية المسرح العربي الحديث؛ ذلك المسرح الذي يسعى إلى تحرير الإنسان من القوالب الجاهزة، وإعادة وضعه في مركز التجربة الفنية. إنه كتاب يؤكد أن المسرح، في جوهره، ليس نصاً ولا عرضاً فقط، بل ذاكرة حيّة تنبض بكل ما لم يُقل بعد. من هو رفيق علي أحمد ويعد الفنان اللبناني رفيق علي أحمد (مواليد قرية يحمر الشقيف) أحد أبرز أعمدة الفن الدرامي في العالم العربي. صقل موهبته أكاديمياً بحصوله على شهادة الدراسات العليا من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، لينطلق منها نحو صياغة هوية مسرحية خاصة تمزج بين عمق النص وقوة الأداء الجسدي. وارتبط اسمه في بداياته بـ «مسرح الحكواتي» مع المخرج روجيه عساف، حيث ساهم في إرساء دعائم مسرح يعتمد على الذاكرة الجماعية والارتجال المنضبط. وعلاوة على ذلك تفرد بتقديم مسرح «الممثل الواحد» أو المونودراما، حيث استطاع ملء خشبة المسرح بمفرده لساعات، محاوراً الجمهور بذكاء في مسرحيات شهيرة مثل: «الجرس»»المخرز» «حكاية زهرة» «قطع وصل». ولم تقتصر إبداعاته على خشبة المسرح، بل نقل ثقله الفني إلى الشاشة الصغيرة والكبيرة، متميزاً باختياره لأدوار مركبة تترك أثراً باقياً: ففي التلفزيون: شارك في أعمال درامية عربية مشتركة وتاريخية ضخمة، مثل مسلسل «الظاهر بيبرس»، «صلاح الدين الأيوبي»، ووصولاً إلى أعمال حديثة مثل «الهيبة-العودة» و «خمسة ونص» . وقدم أدواراً لافتة في أفلام سينمائية ناقشت قضايا الهوية والحرب، منها فيلم «الخريف» و «ناجي العلي». وحصد جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح (تونس)، وهي من أرفع الجوائز المسرحية العربية. كما أدرجته مجلة «L›Express» الفرنسية ضمن قائمة الشخصيات الـ 100 الأكثر تأثيراً في تحريك عجلة الحياة في لبنان. واختير من قبل مجلة «Time Out» كواحد من 40 شخصية تساهم في جعل بيروت مدينة رائدة وعظيمة. *كاتب سوري