فيلم «سيدة البحر»..

أسطورة سعودية باللونين الأبيض والأسود.

في الوقت الذي تشهد فيه السينما السعودية طفرة غير مسبوقة في شباك التذاكر والأفلام التجارية، اختارت المخرجة والمؤلفة السعودية “شهد أمين” أن تغرد خارج السرب تماماً، بفيلمها الروائي الأول “سيدة البحر” (Scales)، و هي لم تقدم قصة عادية، بل أهدت السينما العربية أسطورة بصرية ساحرة باللونين الأبيض والأسود، تناقش من خلالها قضايا الهوية، والأنوثة والتحرر من قيود التقاليد البالية، هذا الفيلم لا يمكن أن يولد إلا في مناخ سينمائي جيد، و على خطوات الوصول للسينما الحقيقية المحترفة، وهو مقاربة رمزية للواقع دون المساس بالتابوهات، و دون إحداث أي خدش أو القيام بمواجهات من أي نوع، فيلم لا يمكنك الحكم عليه وفي نفس الوقت لا يمكنك تجاهله بعد مشاهدته ، هو فيلم حاد جداً لكنه مع ذلك لا يجرح أحداً.. عودة إلى سينما الأبيض والأسود عنوة لأسباب درامية كثيرة داخل الفيلم، وهو فيلم يمكن أن ينافس على الجوائز، و كسينما تحاول أن تقول شيئاً ما دون قوله حقاً.. هو تجربة جريئة على أي حال واستطاعت مخرجة الفيلم وكاتبته أن تمرر الرسالة بشجاعة بالغة لم تهتم فيها بحصد أعلى نسبة مشاهدات، أو إضافة ما يخطف الأعين ، يأتي هذا الفيلم السعودي الجميل المعنون ب ( سيدة البحر) كلوحة سينمائية بالأبيض والأسود، تدور أحداثه في بقعة غير معروفة وزمن غير معروف كذلك، بمعتقدات وخرافات متجذرة في نفوس أقلية من البشر يسكنون جزيرة محاطة بالمياه ومنفصلة عن العالم تماماً، لا يمكنك أن تصنف الحضارة التي ينتمي إليها سكان هذه الجزيرة، ولا ثقافة لديهم سوى ثقافة الموت !! و تدور الأحداث في جزيرة نائية وبائسة، تحكمها عادات قاسية ضاربة في القدم، يتعين على كل عائلة تقديم ابنة من بناتها لمخلوقات البحر الغامضة (عرائس البحر) مقابل الحصول على صيد وفير يضمن بقاء القرية، وتبدأ الأحداث حين يرفض الأب “مثنى” التضحية بابنته الرضيعة “حياة”، وينقذها من أمواج الموت، تكبر “حياة” (التي أدت دورها ببراعة الممثلة الشابة “باسمة حجّار” في بيئة تنظر إليها كوصمة عار، وتعتبرها سبباً في “اللعنة” التي حلت بالقرية وشح الأسماك، لتكبر حياة وتجد نفسها ممزقة بين رغبتها في الانتباه لمجتمع يرفضها، وبين نداء غامض يأتيها من أعماق البحر، و الفيلم عبارة عن لوحة مليئة بالرموز المعقدة، التي تحاول مناقشة وضع المرأة في المجتمع، و الإقصاء الإجتماعي، و قسوة العادات والتقاليد على المرأة وتعليبها في شكل واحد، غياب الألوان أضفى على الفيلم طابعاً ديستوبياً (سوداوياً) يجعلك تشعر وكأنك تشاهد حُلماً أو أسطورة خارج حدود الزمن، كما أبرز قسوة الطبيعة الصخرية للقرية (والتي تم تصويرها في سلطنة عُمان)، و يأتي الفيلم كحكاية مفرغة من الأحداث والحوارات بل حتى من الموسيقى التصويرية، معتمداً على الاصوات الطبيعية وأهمها صوت البحر الهائج، الآداء التمثيلي كان صامتاً في معظمه تتخلله كلمات بسيطة وكأنها لوحة متحركة كما أسلفت، إخراج هذا النوع من الأعمال يعتبر مجازفة عظيمة في زمن البدايات السينمائية السعودية، وكأن الفيلم يأتي في مرحلة متقدمة ليفرض وجوده وإسمه في تاريخ الأعمال السينمائية السعودية كعمل يستحق المشاهدة و الإشادة، ويعتبر الفيلم فيلماً نسائياً بامتياز، خاصة و أن كاتبة العمل ومخرجته إمرأة وبطلة الفيلم والقصة كذلك، طاف العمل بكبرى المحافل السينمائية العالمية، كمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الذي شهد العرض العالمي الأول للفيلم ونال فيه جائزة “Verona Film Club” المرموقة، و جوائز أخرى متعددة، عرض الفيلم في مهرجانات لندن، وقرطاج، والقاهرة، وحصد جوائز في الإخراج والإنتاج، وتم اختيار الفيلم رسمياً ليمثل المملكة العربية السعودية في مسابقة الأوسكار لعام 2021 عن فئة أفضل فيلم دولي، الفيلم من إخراج وكتابة “ شهد أمين” وبطولة “ يعقوب الفرحان” و “ باسمة حجار” في دور حياة. حياة لم تكن مجرد فتاة تقاوم الغرق، بل كانت رمزاً لجيل كامل من النساء اللواتي يرفضن أن تُكتب مصائرهن بأيدي الآخرين.