فيلم رهين..

متعة عابرة وفكرة لم تكتمل.

في فيلم رهين تبدو القصة منذ لحظاتها الأولى وكأنها تسير نحو الكوميديا السوداء التي تتغذى على الفوضى وسوء التقدير، غير أن الفيلم تحت هذا الغلاف الخفيف يحاول أن يلمس فكرة أكثر حساسية من مجرد سلسلة مطاردات ومواقف عبثية؛ فكرة العلاقة المرتبكة بين الآباء والأبناء، وكيف يمكن للطموح حين ينفصل عن الخبرة أن يتحول إلى اندفاع أعمى، وكيف يمكن للسلطة الأبوية حين تُغلَق على نفسها أن تدفع الابن إلى الشعور بأنه خارج الصورة حتى وهو في داخل البيت. الفيلم ليس عملًا عميقًا أو مشروعًا سينمائيًا ثقيلًا يطمح إلى إعادة تعريف السينما السعودية، وهذه ربما إحدى نقاط وضوحه القليلة، هو يعرف أنه فيلم ترفيهي في المقام الأول يعتمد على الإيقاع السريع والمواقف الساخرة والتصعيد القائم على الخطأ بعد الخطأ، لكنه في الوقت نفسه يترك بين مشاهده إشارات تستحق الالتفات إليها حتى وإن لم ينجح في استثمارها بشكل فعال. سطّام، الشخصية المحورية، يعيش في ظل والده وكل محاولاته لإثبات نفسه تنتهي بالفشل أو السخرية أو الخسارة ويرغب في مساعدة والده بدعمه ماليًا، لكن والده يرفض بحجة أنه يريده يعمل معه في تجارة المنسوجات، لذلك تأتي فكرة اختطاف الأبدة وهي أقرب إلى صرخة من كونها خطة إجرامية حقيقية، الفيلم هنا يقترب من سؤال اجتماعي معروف في البيئات العائلية التجارية: لماذا يبتعد الأبناء عن أعمال الآباء، بينما يمكن لهم أن يقتربوا من أعمال آبائهم ويتعلموا منها بدلًا من محاولة صناعة مجد منفصل ومتعجل؟ هذه الفكرة كانت تستحق معالجة أكثر نضجًا وهدوءًا، فالفيلم يلمح إليها كثيرًا لكنه لا يتوقف عندها طويلًا، وكأن الكوميديا تخشى أن تسمح للحظة التأمل بأن تأخذ مساحتها. كان يمكن للعمل أن يصبح أكثر عمقًا لو منح العلاقة بين الأب والابن مساحة إنسانية أكبر؛ فالأب رغم قسوته الظاهرة لكنه ينتمي إلى جيل يرى أن القسوة نوع من التربية، وأن النجاح لا يُمنح بكل بساطة “وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا”. أما الابن فينتمي إلى زمن يريد الربح السريع ويبحث عن ذاته بعيدًا عن عباءة الأب حتى لو قاده ذلك إلى العبث. ومن أجمل التفاصيل الرمزية في الفيلم تلك اللوحة المعلقة في مكتب الأب: “ما يعيب الرجال إلا جيبه”. جملة شعبية مختصرة لكنها تختزن تاريخًا من الأحكام الاجتماعية التي تربط قيمة الرجل بقدرته المالية. الفيلم لا يناقش العبارة بشكل مباشر لكنه يدور حولها طوال الوقت. سطّام يشعر أن فشله الاقتصادي جعله أقل شأنًا وأقل قدرة على فرض احترامه، وكأن المال تحول إلى معيار وحيد للرجولة والنجاح. لكن الفيلم، بقصد أو بدون قصد، يكشف أيضًا هشاشة هذه الفكرة، فكم من رجل يملك المال ويفتقد الحكمة أو الرحمة أو الحضور الإنساني، وكم من شخص محدود الحال لكنه يملك من الكرامة والصدق ما يجعله أكبر من ثروات كاملة. لذلك تبدو العبارة صحيحة في سياقات اجتماعية معينة، خصوصًا في عالم الأعمال والمظاهر، لكنها ليست حقيقة مطلقة. الإنسان لا يُختزل في جيبه، حتى لو حاول المجتمع أحيانًا أن يفعل ذلك. على المستوى الفني، يظل الفيلم مقبولًا ضمن إطار الترفيه التجاري. هناك خفة في الإيقاع وبعض المشاهد تنجح فعلًا في خلق المتعة، خصوصًا حين يعتمد العمل على تضارب المصالح بين الكبير والصغير. كما أن حضور الممثلين يمنح الفيلم طاقة شعبية قريبة من الجمهور، دون تكلف أو ادعاء ثقافي ثقيل. لكن المشكلة أن الفيلم لا يملك تلك الطبقات السينمائية التي تجعله عملًا يُعتد به طويلًا أو يُنظر إليه بوصفه علامة فارقة في السينما السعودية. هو ليس من الأفلام التي يمكن تخيلها في منافسة جادة داخل مهرجانات كبرى تبحث عن لغة سينمائية مختلفة أو مشروع بصري وسردي أكثر تماسكًا، الفيلم لا يغامر فنيًا بما يكفي ولا يذهب عميقًا في أسئلته ويكتفي غالبًا بالحلول السهلة والإيقاع التجاري المعروف، وربما تكمن مشكلته الأساسية في أنه يقترب من أفكار إنسانية مهمة ثم ينسحب سريعًا نحو النكتة والمبالغة قبل أن يمنح تلك الأفكار فرصة للنمو، ويحاول اللعب على مساحة تجمع بين العبث الاجتماعي والسخرية من الضغوط الاقتصادية والعائلية، مع إيقاع سريع قائم على سوء التفاهم وتراكم الأخطاء، وهو أسلوب قريب من أفلام الجريمة الكوميدية التي تجعل الفوضى نفسها محركًا للحكاية، كما يبرز حضور اللهجة المحلية والشخصيات الشعبية ضمن قالب يحاول مخاطبة الجمهور السعودي والعربي في آن واحد. ومع ذلك لا يمكن التعامل معه بقسوة كاملة، فالسينما لا تُقاس دائمًا بميزان الأفلام العظيمة فقط، هناك أفلام تُشاهد للتسلية ولتمضية ساعة خفيفة أو لرؤية شخصيات تشبه الناس العاديين وهم يتخبطون داخل مشاكلهم الصغيرة والكبيرة. و”رهين” 2025 ينجح نسبيًا في هذا الجانب، لذلك يخرج المشاهد منه بشيء من المتعة العابرة، وربما بابتسامة متقطعة، لكنه لا يخرج بذلك الأثر العالق الذي يرافق الأفلام المهمة والراسخة. إنه فيلم يملك بذرة جيدة أكثر من كونه مشروعًا مكتملًا؛ بذرة تقول إن العلاقة بين الأب وابنه لا يجب أن تُبنى على العناد المتبادل، وإن الخبرة القديمة يمكن أن تتحالف مع حلم الجيل الجديد بدل أن تتصارع معه. ولو أن الفيلم آمن بهذه الفكرة أكثر، ومنحها عمقًا إنسانيًا أكبر، لربما تحول من مجرد تجربة ترفيهية خفيفة إلى عمل يحمل وزنًا سينمائيًا أبقى. شارك في بطولة هذا الفيلم؛ محمد الدوخي ويزيد المجيول وعبدالعزيز السكرين وسعيد العويران الذي يظهر بشخصية زعيم عصابة، ومن تأليف أحمد عامر وعبدالعزيز العيسى، واخراج أمين الأخنش، وانتاج تلفاز ونتفليكس، الفيلم تجربة لافتة تجمع بين الكوميديا والإثارة بطابع سينمائي معاصر.