سمعت بالشيخ حمد الجاسر وأنا صبيٌّ لم أتعدَّ الثانية عشرة من عمري، ثم سمعته مذيعاً لحفل أهالي الرياض الذي أقاموه ترحيبا بالملك سعود طيب الله ثراه عند توليه العرش بعد وفاة الملك عبدالعزيز عام ١٩٥٣ م، رحم الله الاثنين، ثم سمعته ورأيته وجهاً لوجه عندما التحقت بمعهد الرياض العلمي عام ١٩٥٤م . كان ذلك اليوم لا ينسى في حياتي، وافق الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم على قبولي بعد أن تعثرت عدة مرات بسبب عامل السن . نادى الشيخ عبداللطيف أحد المراقبين وهو المرحوم محمد الحواس وطلب منه اصطحابي إلى الفصل الخامس من السنة الأولى. كانت السنة الأولى مكونة من خمسة فصول تعكس الإقبال الشديد على الدراسة في المعهد لأسباب أهمها المكافأة الشهرية السخية . دخلت الفصل الخامس ولفت نظري لأول وهلة أمران لا تخطئهما العين، الأول أن عدداً من طلاب الفصل مكفوفي البصر، والثاني أن المدرس هو الشيخ حمد الجاسر والمادة هي التاريخ. وعندما انتهت الحصة سمعت من يعلق على طريقة الشيخ في الكلام والتدريس، من ذلك أن الشيخ يخاطب غيره باللغة العربية الفصحى، بل سمعت أحد الطلبة يقول جملة تثير الضحك عند بقية الطلاب لم أفهمها للوهلة الأولى وهي “دعه يخرج يازائد” إلى أن علمت فيما بعد أن زائد هو الحارس ذو الغترة الخضراء والجملة تعني أن طالبا لديه أذن بالخروج من الباب الرئيس وعلى الحارس أن يدعه يخرج، وما يثير التندر عند الطلاب هو أن الشيخ يخاطب الحارس زائد باللغة الفصحى. ومع مرور الأيام سمعت من يتذمر من أسلوب الشيخ حمد في تدريس مادة التاريخ ويقارنه بمدرس المادة نفسها في الفصول الأربعة الأخرى، كان هذالمدرس وهو من موريتانيا يركز على النصوص ويروي من الحكايات والأساطير ما يثير فضول الطلاب ينصت لها الفصل وكأنه يشاهد فيلما سينمائيا أما الشيخ حمد فكان يدرسنا منهجاً يستند على تمحيص الوقائع وتخليص النصوص من شوائبها بل كان يصف معظم النصوص التي يرويها الأستاذ الآخر بأنها من الإسرائيليات التي لا ينبغي أن نأخذها مأخذ الجد . لم أتبين منهج الشيخ في تدريس التاريخ إلا متأخرا. كان رحمه الله يحاول أن يبث فينا روح البحث والتحليل وليست النصوص المحققة إلا مدخلاً لمنهج الشيخ. وعندما صدرت “اليمامة” فتحها للناشئة وكنت ممن رأى اسمه على صفحات المجلة (العدد ١٥٥) في مقال يحث على الفضيلة ويدعو لمحاربة الفساد بعنوان: المظهر الخادع . وفي النادي الأدبي لمعهد الرياض العلمي بدأت أتعرف على شخصية الشيخ كرائد يتحلق حوله العديد من طلاب المعهد أذكر منهم الأستاذ عمران بن محمد العمران وعلى العبداني وعبدالله بن ادريس وصالح الحمد المالك ومحمد المسيطير وعبدالله الرشيد وإبراهيم العواجي وغيرهم . وعندما صاهرته اقتربت منه ومنحني شرف الدخول إلى قلبه واعتباري أحد أبنائه . تلاشت الحواجز بيننا وصرت أداعبه ببعض الأسئلة التي كانت تراودني منذ أن عرفته. قلت له مرة وهو في لحظة صفاء: لماذا ترفض ألقاب المعالي والسعادة وتصفها بأنها من مخلفات الأعاجم لكنك تتقبل اللقب الذي صاحب اسمك منذ انضمامك للمجمع اللغوي في القاهرة وهو “علامة الجزيرة” فرد علي بأن هذاللقب أسبغه عليه طه حسين في إحدى جلسات المجمع . وقلت له مرة ألا يضيرك أن تكون الوحيد في الجزيرة العربية الذي يقول عن ربطة العنق “معنقة” وعن محطة البنزين “مبزنة” وعن جهاز الفاكس “اللاقط” فقال بالعكس إنني أشعر بالرضا طالما أنني مقتنع بصحة ما أقول. وبعيدا عن المداعبات قلت له مرة بعد أن أصبحت مجلة العرب منبراً لأسئلة القراء عن الأنساب بشكل مفرط: أنت يا شيخ، بالنسبة لكل من أحبوك وأنا أولهم، رائد حركة التنوير في جزء بالغ الأهمية من هذه البلاد وموضوع الأنساب بكل مافيه من حساسيات لا علاقة له برسالتك السامية التي تفردت بها وجلبت لها المطابع وأسست اليمامه ثم العرب وتعرضت من أجلها للصعاب. من فضائل الشيخ أنه مستمع جيد يحترم من يناقشه ولا يأنف من مناقشة أي موضوع يرى أنه جدير بالمناقشة، استمع لوجهة نظري وسكت غير أنه في العدد الذي تلا هذه المناقشه من مجلة العرب نشر مقالاً بعنوان: “ولماذا الكتابة عن الأنساب” قال في مطلعه “حاورني أخ كريم ذو مكانة مكينة في نفسي لما يتصف به من علم وفضل وخلق متميز في أحد الموضوعات “ والمقصود هو موضوع الأنساب . المقال أعيد نشره في صفحة ٩٦٩ من كتاب من سوانح الذكريات الجزء الثاني. لا أخفي على القارئ أن ماقاله عني في هذه الفقره أطربني لكنني كنت صريحا في التمسك بوجهة نظري وكان لطيفاً كريماً في قبول الرأي الآخر.. كان الشيخ بكل ما تحمله في حياته من هموم الدنيا خفيف الظل طيب المعشر اجتماعي النزعة، هذه السمات الجميله تفتح مجالا واسعاً لمن يريد أن يتعرف على شخصية الشيخ . في منتصف السبعينيات كنت معه في بيروت، سألته عن رحلته إلى أمريكا عام ١٩٦٠ بدعوة من شركة أرامكو ولماذا لم ينشر عنها شيئا أجابني “بك وحده” ثم بدأنا، هو يملي وأنا أكتب. كانت من أمتع مانشرته مجلة العرب. وفي مناسبة أخرى أملى علي مقالتين واحدة عن جحدر العكلي وكان واضحاً من حماسته وهو يملي أنه يهوى حياة الصعاليك، وفي جلسة أخرى أملى علي مقالة رثى بها صديقه خير الدين الزركلي وهي مقالة تكشف إحدى ملامح شخصية الشيخ وهي المرح، هذه المقالات أعدها مصدرا غنيا لمن يريد دراسة شخصية الشيخ بما تتسم به من جوانب مختلفة. قلت له بعد أن فرغنا من كتابة رحلته إلى أمريكا : لقد طلبت من الشركة المضيفة أن يتركوك في ألمانيا وأنت لا تجيد أي لغة غير العربيه لماذا؟ فكان جوابه بالحرف الواحد “أردت أن أثبت أن الإنسان يستطيع أن يشق طريقه في هذه الحياة وهو لا يملك سوى العزيمة” . وعندما أعيد قراءة مقاله عن جحدر العكلي وهي عن حياة الصعاليك وما يتمتعون به من حرية لا ضفاف لها أفهم الكثير من المعاني التي تضمنها رده على سؤالي. أخيراً، لا يمكن لأحد أن يستعرض حياة الشيخ حمد بدون أن يختم كلامه عن أم محمد “هيله العنقري” زوجة الشيخ وأم أولاده ولذلك أستميح القارئ عذرا أن أقتبس في ختام هذا المقال ما قلته عن هذه السيده الجليلة من مقال رثيت به الشيخ عندما توفي رحمه الله: “أما عن الشيخ زوجا ً فالحديث ذو شجون فقد كان رحمه الله وافر الحظ في اختيار الزوجه الصالحة. منَّ الله عليه بزوجة كريمة المحتد صادقة النية محبة للخير التقت به لقاء الطيب بالطيب ومنحته المحبة والوفاء والذرية الصالحة وفرجت عنه كرب الدنيا وهمومها فتفرغ لخدمة دينه ووطنه وأمته”. رحم الله الشيخ وعاماً سعيداً ً وعمراً مديداً لمجلة اليمامة في عيدها المجيد . --------- افتتح في ليلة الجمعة 3 ربيع الأول 1372 هـ، الموافق 21 نوفمبر 1952م. وشارك في حفلة الافتتاح من الطلاب عبداللّه بن إدريس وعبدالرحمن الرويشد وعمران العمران عبد العزيز الخزيمي ومحمد المسيطير ومحمد العبدالسلام وعبدالرحمن بن سحمان وعبدالله الرشيد وعبدالملك بن عبدالله. ويعتبر هذا النادي أول نادٍ أدبي يقام في مدينة الرياض. ودأب النادي لاحقاً على إقامة حفل كبير في نهاية كل عام دراسي، وإقامة حفل خطابي عند زيارة شخصيات سياسية أو علمية كبيرة لمدينة الرياض مثل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس رابطة علماء الجزائر، وعبدالله عريف رئيس تحرير صحيفة البلاد السعودية وعلي حافظ رئيس تحرير صحيفة «المدينة المنورة» وغيرهم.