عشت في زمن حمد الجاسر .
تُعَد مجلة “اليمامة” إحدى العلامات المضيئة في تاريخ الصحافة السعودية الحديثة منذ إنشائها، وقد اكتسبت شهرتها وقيمتها التاريخية من ارتباطها باسم مؤسسها الشيخ حمد الجاسر، الذي كان ينظر إلى المستقبل بعَيْني “زرقاء اليمامة”، وهو يضع حجر الأساس لأول صحيفة تصدر في المنطقة الوسطى من المملكة عام 1953م. كانت المطبوعات الصحفية مقتصرة على الحجاز، الذي كان متقدمًا في الثقافة والتعليم على المناطق الأخرى، وكان حمد الجاسر قد بدأ نشر مقالاته الأولى في صحيفة أم القرى، والمنهل، والمدينة، والبلاد. ويذكر في سيرته أنه نشر أول مقال له في صحيفة (صوت الحجاز)، بعنوان: “قل الحق ولو كان مرا”، ثم استمر ينشر مقالاته التاريخية والجغرافية في تلك الصحف، إلى أن هداه حدسه وتفكيره المبكر إلى دشين أول نشاط صحفي في المنطقة الوسطى، فأنشأ مجلة “اليمامة”، التي اقتبس اسمها من عشقه التاريخي والجغرافي لـ “منطقة اليمامة”، بجبالها، وأوديتها، وسهوبها، وشعرائها، الذين كان يردد أبياتهم، ويتتبع خطاهم ومنازلهم في أنحاء الجزيرة العربية. أصبحت مجلة اليمامة في الخمسينيات والستينيات الحدث الثقافي الأبرز في الرياض، وكانت المصدر الأول لنشر المقالات الأدبية والثقافية والاجتماعية، لكبار الكتاب والأدباء والشعراء في تلك الفترة، وكانت أغلب المقالات المنشورة فيها ذات طابع أدبي واجتماعي وثقافي عام، أما الموضوعات السياسية فكان نصيبها منها أقل من القليل. في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وكنت طالبًا في كلية اللغة العربية، بدأت صلتي الأولية بمجلة اليمامة، من خلال متابعتي لها وقراءتها بشكل منتظم، وكان أكثر ما جذبني إليها ما كان يُنشر في صفحاتها الثقافية، التي كان يشرف عليها الصديق الشاعر سعد الحميدين، من قصص وقصائد، وسجالات أدبية ونقدية، وكنت أطمح إلى أن تتاح لي الفرصة بنشر محاولاتي الشعرية الأولى في هذه الصفحات، ولكني لم أجرؤ على نشرها إلا بعد التخرج من الكلية عام 1974م. شكّل التحاقي بالمديرية العامة للمطبوعات في وزارة الإعلام نُقلة نوعية في حياتي الثقافية، بما أتاح لي من الاطلاع على الكتب والمجلات العربية التي لم تكن متاحة في المكتبات المحلية، وقبل ذلك وبعده أتاح لي التعرف على أحد رواد القصة القصيرة، الذي أصبح صديق العمر فيما بعد، ورفيق الدرب الطويل، الأديب الراحل محمد علي علوان رحمه الله، وكان هو الذي عرفني على رموز الساحة الثقافية في ذلك الوقت، وشجعني على النشر في مجلة اليمامة، فنشرت أولى قصائدي من شعر التفعيلة في الملحق الثقافي للمجلة. لم يخطر على بالي في يوم من الأيام، أن أعمل في المجال الصحفي، وكنت أنظر إليه على أنه عمل متخصص يحتاج إلى خبرة ودراية، وثقافة خاصة ليست متوافرة لدي، إلى أن فوجئت في يوم من الأيام، منتصف السبعينيات، بالأستاذ الشاعر سعد الحميدين، يدخل علينا، محمد علوان وأنا، المكتب في زيارة مفاجئة غير متوقعة، وإذا به يعرض علينا الإشراف على الملحق الثقافي لمجلة اليمامة. نظرنا إلى بعضنا في تعجب واندهاش، وقلنا له: ليس لدينا خبرة في هذا المجال، فقال: الخبرة تُكتسب بالممارسة، وأنتما أفضل من يتولى هذا الموضوع، ولديكما مطلق الصلاحيات لتجديد الملحق واختيار المواد الصالحة للنشر بكل حرية. ولم يخرج الأستاذ سعد إلا وقد أقنعنا بالعمل، فباشرنا الإشراف على الملحق من اليوم الثاني للزيارة. كان المشرف على تحرير المجلة الأستاذ محمد الشدي، رحمه الله، وكتن الأستاذ سعد الحميدين مدير التحرير، وكانت المجلة تُطبع بالحجم العريض (تابلويد)، فبدأنا العمل بهمة ونشاط، وأخذنا باستكتاب الأدباء والشعراء وكتاب القصة القصيرة، وأولينا عناية خاصة برسائل القراء، بحثًا عن التجارب اللافتة للنظر، واكتشاف المواهب الجديدة، حتى أصبح لدينا مادة وافرة، بدأنا على إثرها نطالب بزيادة صفحات الملحق، وصار الملحق يزداد حجمًا بالتدريج، إلى أن وصل إلى عشرين صفحة. كان الأستاذ علوان رحمه الله يتولى تقييم القصص القصيرة، وكنت أهتم بالشعر والقصائد الجديدة، وكنا نشترك معًا في تقييم المقالات النقدية والردود ومشاركات القراء. في هذه المرحلة نشرنا لعدد من المواهب الشعرية والقصصية الواعدة، التي أصبح كتابها من رموز الشعر الحديث، والقصة الجديدة، فيما بعد. كنا نشجع الشعر الحديث، المكتوب بنظام التفعيلة (الشعر الحر)، وكنا ننشر مختارات لكبار الشعراء في العالم العربي، ولكننا مع ذلك لم نهمل القصيدة العمودية، ولم نقف سدًا في وجه الشعر التقليدي، بل إننا خصصنا صفحة أسبوعية لنشر قصيدة مختارة من عيون الشعر العربي القديم. وفي عام 1978م، تولى الأستاذ محمد العجيان، رحمه الله، الإشراف على المجلة، فعمل على تجديدها، وغير حجمها إلى الحجم الذي هي عليه اليوم، وأصبحت تصدر بهيئة جديدة، وإخراج جديد، على يد الفنان الكبير الأستاذ أسعد شحادة، وبدأت المجلة عهدًا جديدًا متميزًا، في كل أبوابها وصفحاتها، وموضوعاتها السياسية، والثقافية، والاجتماعية. ولم يستمر محمد العجيان طويلًا، حيث تولى الإشراف بعده الصديق الدكتور فهد العرابي الحارثي، القادم من باريس، بطموحات وتطلعات كبيرة، فأضفى على المجلة بُعدًا فنيًا أنيقًا، وجرأة في الرأي، وعمقًا في المضمون، وجلب إليها نخبة كتاب الرأي، حتى أصبحت من أكثر المجلات والصحف توزيعًا في المملكة. واشتهرت المجلة في هذه الحقبة بتحقيقاتها الاستقصائية المثيرة للجدل، وقد شاركتُ بتحرير أحد هذه التحقيقات، الذي كان عن “الفساد العقاري” في مدينة بريدة، ونتج عن هذا التحقيق تشكيل لجنة حكومية لتقصي الحقائق، استغرق عملها عدة أشهر. كما شاركت في تحقيق مثير عن “بئر الشملي” في حائل، وهي بئر ارتوازية كان صاحبها يزعم أن ماءها يشفي من كل الأمراض! كانت هذه الفترة أخصب فترة في حياتي الصحفية، فقد استقطبت المجلة نخبة مميزة من كتاب الزوايا البارزين، فكتبت أثناءها أول زاوية لي بعنوان: “سماء ثامنة”، عانيت فيها من ردود فعل بعض المحافظين المتطرفة، التي اعترضت أول ما اعترضت على التسمية، حتى إن بعضها خرج عن طوره واتهمني بالكفر والعياذ بالله. وكتبت زاوية أخرى، رياضية ساخرة، باسم مستعار، بعنوان: “كورلوجيا”، بقلم: جهينة! وكان هذا النشاط يجري، جنبًا إلى جنب الإشراف على الملحق الثقافي للمجلة، الذي تميز بدعوته الصريحة إلى تحديث قوالب الكتابة الشعرية والقصصية والفنية، وكانت هذه الدعوة من أبرز الدعوات المبكرة للحداثة، التي اشتعل أوارها في الثمانينيات والتسعينيات. واجهت الدعوة للحداثة ردود فعل غاضبة ومتشنجة من التيار المحافظ، واتخذوا منها وسيلة للنيل الشخصي من الشعراء والأدباء الذين أرادوا مواكبة الحركة الشعرية الحديثة في العالم العربي، ثم عملوا من الحبة قبة، فلجأوا إلى المغالطة المنطقية المعروفة بـ “مغالطة رجل القش”، وهي أن تصنع من خصمك صورة ذهنية وهمية، ثم تأخذ بتلابيب هذه الصورة الوهمية، وتوسعها سبًا وشتمَا وتبديعًا وتكفيرًا، وهكذا ألصقوا بنا وبغيرنا من دعاة الحداثة صفات الليبرالية، والعلمانية، التي لا علاقة لها بالحداثة الشعرية والنقدية التي كنا ندعوا لها، ولكنه الفجور في الخصومة، الذي كان مصيره في نهاية الأمر إلى زوال. كانت اليمامة منذ إنشائها مدرسة صحفية رائدة، ساهمت في نشر الأدب والثقافة والوعي الفكري والاجتماعي، وتعاقب على تحريرها والكتابة فيها كبار الكتاب، والأدباء، والمفكرين، الذين ساهموا في ازدهار الحركة الثقافية، وتفاعلوا مع القضايا الاجتماعية والوطنية، بحيث أصبح أرشيف المجلة اليوم مرجعًا لا يستغني عنه الباحثون، والدارسون، وعلماء الاجتماع، الذين يسعون إلى دراسة تطور الوعي الاجتماعي، والحركة الأدبية والثقافية على امتداد عمر المجلة، المولودة عام 1953م، وهذا هو العام الذي ولدتُ فيه، والذي بفضله أشعر بالفخر أنني “عشت في زمن حمد الجاسر”، رحمه الله، ورضي عنه.