جغرافيا الداخل..

هل نملك خرائط لمشاعرنا؟

شعرتُ أنني ضائعة داخل نفسي في لحظاتٍ مفاجئة، تأتي غالبًا في أوقات أكون فيها في قمة الضغط والإرهاق النفسي والجسدي. يتسلل إلى داخلي سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يفتح أبوابًا لا تنتهي: لماذا كل هذا؟ ومن هنا تبدأ سلسلة الأسئلة؛ أسئلة متدافعة لا أملك لها إجابات واضحة: هل أنا على الطريق الصحيح؟ هل هذا حقًا ما أريده؟ لماذا يبدو الأمر بهذه الصعوبة؟ وإن وصلت… ثم ماذا؟ في تلك اللحظات، لا يكون الشعور الحقيقي هو الحزن بقدر ما يكون نفادًا للطاقة، كأن الإنسان استهلك كل ما فيه من قدرة على الفهم والاحتمال. أرى أن داخل كل إنسان عالمًا كاملًا خاصًا به؛ له جغرافيته وحدوده، تضاريسه وخرائطه. فيه أماكن سهلة وأخرى وعرة، ارتفاعات وانخفاضات، صحاري وبحار، مناطق مأهولة وأخرى مهجورة. داخلنا مساحات نزرع فيها ونحصد، وأخرى نغرق فيها دون أن نفهم كيف وصلنا إليها. ورغم أن هذا العالم يعيش في داخلنا، إلا أننا لا نفهمه دائمًا كما نظن. كثير من مشاعرنا تمر بنا دون أن نعرف حقيقتها، أو سبب تشكلها، أو كيف نمت بهذا الحجم داخلنا. وحتى حين نحاول التعبير عنها، نشعر أحيانًا أن اللغة نفسها عاجزة. فهناك مشاعر أكبر من أن تُقال، وأعمق من أن تُشرح؛ مشاعر لا تُفهم بالكلمات بقدر ما تُعاش. وربما لهذا السبب، لا يفهمنا حقًا إلا من مرّ بشعور يشبه شعورنا، حتى وإن عاشه بطريقته الخاصة. فالتجربة الإنسانية، مهما اختلفت تفاصيلها، تترك بين البشر ممرات خفية من الفهم المشترك. لكن يبقى السؤال الأصعب: إذا كان الإنسان يعجز أحيانًا عن فهم نفسه… فكيف يمكنه أن يفهم الآخرين؟ ربما يبدأ الضياع الداخلي حين نفقد “البوصلة”. أو ربما حين نمتلك المشاعر… دون أن نملك خرائط تقودنا خلالها. فالإنسان لا يضيع فجأة، بل يضيع تدريجيًا حين يتجاهل إشاراته الداخلية، أو يؤجل مواجهة ما يشعر به، أو يتربى منذ صغره على أن بعض المشاعر ضعف يجب إخفاؤه. فنحن لا نهرب دائمًا من العالم، بل كثيرًا ما نهرب من أنفسنا. لكن حين نعترف بمشاعرنا، ونعطيها حقها من الإصغاء والظهور، نصبح أكثر قدرة على قراءة ذواتنا، وأكثر اتزانًا في التعامل مع ما يمر بنا. وهذا ما يُعرف اليوم بالذكاء العاطفي؛ ليس بوصفه رفاهية نفسية، بل مهارة تساعد الإنسان على فهم نفسه قبل أن ينهكه سوء فهمه لها. ومع ذلك، لا أظن أن أحدًا سيصل يومًا إلى فهم نفسه بشكل كامل. فالنفس البشرية تشبه بحرًا عميقًا؛ كلما ظن الإنسان أنه بلغ أعماقه، اكتشف أن هناك أسرارًا أخرى ما تزال مختبئة في القاع.