الحج.. قصة خبرة سعودية.
من يراقب الجهود السعودية في خدمة ضيوف الرحمن لا يخطئ التقدير أن المملكة باتت تمتلك أقوى الخبرات ليس فقط في إدارة الحشود، وإنما في تقديم الخدمات المتقدمة جداً لتلك الحشود. «منظومة الحج» اليوم باتت مثالاً عالمياً في فن استضافة الأعداد الهائلة من الناس، وتقديم الخدمات المتكاملة . تبدأ الحكاية من التطور الرقمي الحاصل في الجوازات والمنافذ، حيث بات بإمكان الحجاج إنهاء تأشيراتهم من مطارات بلدانهم، بهدف اختصار الوقت للعبور وتخفيف الازدحام في منافذ القدوم. فضلاً عن تطبيق «نُسُك» الذي من خلاله يتم استخراج تصريح الحج لتسهيل الإجراءات واختصار الكثير من الوقت، وتستمر الخدمات الرقمية في مرافقة الحاج في رحلته طوال أيام الحج متنقلاً بين المشاعر، حيث البنية التحتية الرقمية في كافة الأماكن في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة. ولا تنتهي حكاية الحج الناجحة هنا، بل تستمر وصولاً إلى البنية التحتية التشغيلية، وهي حكاية أخرى، فقد تم رفع الطاقة الاستيعابية للحرم المكي إلى مليونين ونصف مصلٍّ في وقت واحد، في حين أن متوسط عدد الحجاج من الخارج يبلغ مليون وثمانمئة ألف حاج، ومع الصرامة في تطبيق شعار «لا حج بدون تصريح» مؤخراً، بتنا نشاهد انسيابية ومرونة في حركة الحجاج في أشد أيام الحج ازدحاماً وهو يوم الحج الأكبر الموافق للعاشر من ذي الحجة، ومنذ بدأ الحزم في ملاحقة المتسللين وما فرضته السلطات الأمنية من غرامات ثقيلة بهذا الشأن، بدأنا نلاحظ منذ العام الماضي صورةً لطواف الإفاضة غير معهودة في السنوات السابقة، بل وحتى الطرقات والمسارات في عرفات ومنى، صورٌ استثنائية لأعداد لا يمكن تصور أنها في موسم حج في هذه اللحظة، وهذا فقط بسبب ضبط الأعداد المخطط لها. وتستمر أيضاً حكاية النجاح لتصل إلى الخدمات المقدمة للحجيج، حيث المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الميدانية والثابتة الموزعة حول المشاعر المقدسة، فضلاً عن 30 ألف ممارس صحي، ويسهر على راحة وأمن كل هؤلاء أكثر من 135 ألف رجل أمن، وفي المساندة أكثر من 34 ألف متطوع من أبناء وبنات هذا الوطن على ضوء احصائية حج 2025 ، يساهمون في خدمة ضيوف الرحمن بلطفهم وضيافتهم المعهودة عن هذا الشعب. ولا تزال الحكاية مفتوحة، حكاية تجربة عقود طويلة من الخبرة المتراكمة في هذا الشرف العظيم، حكايةٌ تعطي لنا – ضمن ما تعطيه – دروساً إداريةً أيضاً في كيفية الاستفادة من التجارب والأخطاء والاستمرار في التطوير والتحسين، حكاية إبداع في إدارة موسم من أخطر وأضخم المواسم حول العالم، حيث الأعداد المليونية في مساحة مكانية ضيقة، فضلاً عن خدمة كل هؤلاء خدمة راقية، حكايةٌ تختصر مضمون الآية القرآنية: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ».