الهدية الجديدة من « مجمع الملك سلمان للغة العربية » ..
شرحُ الجرجاني لديوان المتنبي .. استرداد للبيان المفقود .
في إصدارٍ علميٍّ باذخٍ يعكسُ عناية مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بتراثنا الخالد، أُزيح الستارُ عن كنزٍ معرفيٍّ ظلَّ طويلاً في طيّ الكتمان، وهو (شرح ديوان أبي الطيب المتنبي) للإمام العبقري عبد القاهر الجرجاني؛ بتحقيقٍ رصينٍ وعملٍ دؤوبٍ من الأستاذ الدكتور عبد الرحمن المطرفي. هذا الشرحُ الذي خَرَجَ للنورِ ليس مجرد إضافةٍ للمكتبة العربية، بل هو حدثٌ جليلٌ يعيدُ رسمَ ملامحِ رحلةِ الجرجاني العلمية. لقد عكف الدكتور المطرفي على هذا العمل منذ مرحلة الماجستير، مستنداً إلى نسخةٍ فريدةٍ ووحيدةٍ في إسطنبول. ورغم أن الكتاب لم يصلنا كاملاً (حيث ينتهي عند قافية الدال)، إلا أنه يمثلُ وثيقةً تاريخيةً نادرةً. وقد ساقَ المحققُ حججاً وبراهينَ قويةً تثبتُ صحةَ نسبةِ الكتاب إلى الإمام الجرجاني، مما يقطعُ كلَّ شكٍّ في هذا الانتسابِ العلميّ الرفيع. تشيرُ القرائنُ إلى أن هذا الشرحَ يُعدُّ من المصنفات السبعة المتقدمة في تاريخ شروح المتنبي؛ مما يعني أنه لم يُكتب متأخراً. ولعلَّ الأهمية تكمنُ في كونه “المختبرَ الأول” الذي نضجت فيه بذور نظرية النظم؛ فمن خلال ثنايا هذا الكتاب، نلمحُ كيف تطورت هذه النظريةُ في عقل العبقري حتى استوت على سوقها في كتبه اللاحقة. ويبدو أن الجرجاني قد صاغ هذا الشرح قبل انتقاله الكامل لعلوم البلاغة، ومع ذلك، فقد أسهب فيه في علم البديع بشكلٍ يفوقُ مؤلفاته الأخرى يمتازُ هذا الشرحُ بثراءٍ لغويٍّ مذهل، حيث ضمَّ ما يقارب ٤٠٠ مسألة لغوية. وما يميزُ طرحَ الجرجاني هنا هو ميله إلى “النحو الفلسفي”المرتبط بالمعنى، فالمسألة النحوية عنده ليست قالباً جامداً، بل هي أداةٌ لخدمة السياق الشعري. أما أسلوبُه، فقد جاء كما عهدهُ عشاقُ بيانه: رائقاً، جزلاً، وفخماً؛ يعتمدُ على الحوار والحِجاج العقلي الذي يأخذُ بلُبِّ القارئ. ولا عجبَ في ذلك، فقد حللت أسلوبه دراساتٍ حجاجية حديثة ترصدُ قدرته الفائقة على الإقناع وجميل العرض. إنَّ قيمةَ هذا الكتاب لم تقتصر على محتواه فحسب، بل في أثره العلمي الممتد، حيث أشار الدكتور المطرفي إلى أن هذا السفرَ كان رحماً خرجت منه رسالتان علميتان، مما يؤكد أن تراثَ الجرجاني لا يزالُ منبعاً يفيضُ بالدروس والآفاق البحثية. وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نُزجي وافر الشكر وعظيم الامتنان لـ مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية؛ هذا الصرح الذي أثبت أنه الحارس الأمين على هوية اللغة، والملاذ لكل باحثٍ عن نفائس التراث. إنَّ إخراج هذا الشرحِ الفريد للنور ليس مجرد عملٍ طباعي، بل هو استردادٌ لبيانٍ كاد أن يغيبه النسيان، وتأكيدٌ على أن لغة الضاد ستبقى ولّادةً بالجمال ما دامت تظلها رعايةٌ كريمة تدركُ قيمة الكلمة وأثر الحرف في بناء الحضارة.