الكاتب د محمد حسين هيكل معروف مفكرا وسياسيا ومؤرخا وأديبا، اشتهر من كتبه كتاب “حياة محمد” ، كما كان من أوائل من كتب الرواية في الأدب العربي، روايته زينب التى أصدرها باسم مستعار “مصري فلاح”، يوم لم يكن تأليف الروايات عملا يجد صاحبه التقدير، كما عمل في السياسة والصحافة الحزبية، وضعه عمله الحزبي في بؤرة السياسة المصرية والعربية، ويمكن اعتباره رحالة لكثرة رحلاته التى شملت دولا أوروبية كثيرة ولبنان والسودان. تتجلى في كتابه “في منزل الوحي” كل ما أشرنا إليه من خبرات. لسنا هنا مع كتاب رحلات تقليدي، فرغم أن صاحبه قام برحلته للحج تعبدا، لكنه من خلال التحقيق العلمي لمواطن السيرة كان يقصد إعادة إحياء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولذا فإنه لم يكتف بزيارة مواقع الحج، ولكنه ذهب إلى كل مكان كان موقعا لحدث في سيرة رسول الله. طلب مثلا الذهاب إلى الجعرانة قرب الطائف لأن رسول الله مكث بها فترة بعد غزوة حنين يوزع الغنائم ويستقطب المؤلفة قلوبهم، ويطيب خاطر الأنصار الذين خشوا أن يكون الرسول قد زهد في صحبتهم، وكذلك تعمد المرور بموقع غزوة بدر رغم وعورة طريقها آنذاك وكونها ليست في طريقه. وهناك أخذ يبحث عن مكان العدوة الدنيا والعدوة القصوى اللتين أشير إليهما في القرآن، وبحث عن مكان الماء الذي عسكر حوله المسلمون ليشربوا ولا يشرب المشركون، ولما لم يجد معالم واضحة تحدد هذه الأمكنة ، تمنى لو يجري تحديدها بدقة ليتعرف عليها الناس، ثم ذكر أنه زار موقع معركة واترلو في أوروبا فوجد القوم قد أبرزوا معالم الموقع بشكل تتضح معه للزائر أحداثها. وأسف لأنه قد شق عليه السفر من المدينة إلى تبوك، وتمنى لو كانت سكة حديد الحجاز لا زالت تعمل حتى يصل إليها في أثر رحلة الرسول خلال الغزوة. اصطحب معه مصريته، فكان يطرب عندما يقف على أى عمل خير قديم أو حديث لمصر في بلاد الحرمين. كما اصطحب مشاعر الأخوة التي تجمعه بالمسلمين من كل مكان جاؤوا للحج منه، وكان يتأسف كثيرا لأن مشاعر الأخوة الإسلامية لم تعد كما كانت أيام رسول الله وخلفائه، ويعتبر ذلك سببا لتخلف الأمة الإسلامية. إذن نحن مع كتاب شامل، يجمع الجغرافيا والتاريخ، وجمال السرد الروائي، والتأملات العقلية، والإشراقات الوجدانية الإيمانية. كانت رحلته تلك عام ١٩٣٦ م، لم يُتح له أن يلبي دعوة سابقة من الحكومة السعودية لحضور مناسبة تتويج الملك عبدالعزيز عام ١٩٣٠ ضمن رؤساء تحرير الصحف المدعوين، وأناب عنه الأديب عبدالقادر المازني الذي كتب بعدها كتابا أسماه “رحلتي إلى الحجاز” . يذكر الكاتب أنه عندما سأل بعض المجربين عن رأيهم في قيامه برحلة الحج وجد من أيده ومن ثبطه، أغلب من أدوا الحج مؤخرا شجعوه وهونوا عليه المشاق، ولكن غيرهم حذره من الأوبئة وتلوث المياه، وعلى الأغلب فإنهم كانوا متأثرين بمعلومات سابقة على العهد السعودي في الحجاز، ولعل أهم ما يلاحظه القارئ أنه لم يسطر أي ملاحظة تتعلق بأمن مناطق الحج. معظم من كتبوا عن رحلاتهم خلال القرنين السابقين تحدثوا عن المخاطر الأمنية وخاصة في الرحلة بين المدينة ومكة، لم يصادف الكاتب أيا من هذه المخاطر، ورغم أنه لم يكن رسميا في ضيافة الحكومة السعودية إلا أن وزير المالية، الشيخ عبدالله السليمان اعتبره ضيفه فيسر له كل ما يحتاجه في مهمته، حدث أنه التقى به في إحدى رحلاته إلى بيروت، وذكر أنه يفكر في زيارة الأماكن المقدسة للحج ولاستكمال ما كتبه عن السيرة، فعزم عليه الوزير أن يبلغه حين يتأكد سفره، ولذا فقد أبلغه هيكل بموعد الرحلة، ثم عرف عندما وصل إلى جدة بأنه قد أصبح ضيف الوزير. رتب له الوزير النزول ضيفا في بيوت كبار القوم في مكة والمدينة والطائف، رحلته كانت مترافقة مع بدء إنشاء فنادق متواضعة، وصف فندقا منها بين مكة والمدينة بأن النوم في العراء أفضل من النوم فيه، كما رُتب له أن يكون في رفقةٍ يسهلون له التعرف على الأماكن التي يرغب في زيارتها وأهميتها التاريخية، ومعظمهم من المثقفين والعلماء، وفي رحلة الطائف رُتب أن يفطر ضيفا عند وجوه القوم ويتناول غداءه عند آخرين، هذا في حالة بعد الأمكنة عن بيت استضافته. أحس بمشاعر الود العميقة والترحاب الذي يكنه أهل البلاد لضيوفهم، كذلك فصل في التغيرات التى حدثت بعد أن أصبح الحجاز ضمن الدولة السعودية، معظمها كان إيجابيا، أما ما حدث من إزالة البنيان عن مقامات الصحابة والإنشاءات التى أقيمت على مواقع بعض الأحداث، وطمس بعض معالم الأمكنة رغم القيمة الفنية والتاريخية لها، فقد تفهم رأي الشيخ محمد عبد الوهاب فيها، وإن اعتقد أن تطبيقها صاحبه شيء من المبالغة. أحرم الكاتب وهو على السفينة عندما حاذت ميناء رابغ، وهو يتأمل في مسألة الإحرام فيقول إن الحاج يحرم اثنتي عشرة ساعة مدة الطريق من جدة إلى رابغ، ثم ساعتين المدة من جدة إلى مكة وساعتين للطواف والسعي ثم ينتهي من عمرة التمتع، وهنا يكتب أن هذه الأعمال كانت تستغرق من رسول الله حين يتوجه من المدينة عشرة أيام، وهي أيام تربية روحية وتهذيب، يلتزم فيها بآداب الحج، يرى هيكل أن رياضة كهذه جديرة بأن يطول وقتها لا أن يقصر حتى تتحقق الغاية الروحية منها. كانت تنقلاته بالسيارة التي بدأ استعمالها مع استمرار التنقل على الدواب في الحج لمعظم الحجاج، لم تكن الطرق قد عُبدت بعد، ولذا فقد تعرض موكبه لمشاق الطريق سواء في مكة أو في الطريق إلى المدينة المنورة، فكثيرا ما كانت عجلات السيارة تنغرز عميقا في التراب، وتحتاج إلى معاونة المسافرين على حملها لإعادتها لسطح الأرض. بل إن سفينتهم اصطدمت بإحدى الشعاب المرجانية قريبا من جدة وكادت تغرق، تعطلت ساعاتٍ ثمان حتى أنجدتها سفينة أتت من جدة. وعندما وصلت السفينة إلى جدة كان على المسافرين أن ينزلوا إلى قوارب شراعية صغيرة اسمها “سنابيك” تحملهم إلى اليابسة فالسفن الكبيرة لا تستطيع المرور في وجود هذه الشعاب، و كان على الركاب أن يقضوا طوال الليل في السفينة،لأن سلطات الميناء خشيت على السنابيك من الإبحار في الليل، رافقتهم إحدى الأميرات المصريات ولكن برنامجها أن تغادر مكة بالطائرة إلى المدينة مما يعني أن الانتقال بالطائرات بين مدن الحج قد بدأ في تلك الفترة ولكن على نطاق ضيق جدا. وصل إلى مكة ليلا وأدرك أنه لم تشملها الكهرباء بعد. و عندما أقبل على الحرم وجد إن قباب المسجد وجدرانه بسيطة، وفيها فن يتفق مع هذه البساطة، أبواب المسجد أكثر بساطة من قبابه، و جدران المسجد من الخارج تخلوا من الفن، أما المسعى الذي كان في صدر الإسلام طريقا مستقيما متصلا بما حوله من فسيح الصحراء وتطل عليه جبال مكة فقد طغت عليه المباني، وحالت الجدران بين الساعين وفسحة الجو وبهاء السماء وقد بلغ من طغيان المباني أن اعوج المسعى اعوجاجا يحول بين الساعى ورؤية المروة إذا كان على الصفا، أو رؤية الصفا إن كان على المروة، بل تخترق المسعى طرق تسير فيها السيارات والدواب. أحرم مرة أخرى ثامن أيام الحج استعدادا ليوم عرفه، يسمى ذلك اليوم يوم التروية لأن الناس كانوا يهيئون فيه الماء الذي يأخذونه إلى عرفات، وقد أغنتهم عن ذلك عين زبيدة التى يصل ماؤها إلى عرفات ومنى. في عرفه التقى مسلما أيرلنديا يعيش في سرواك ( ماليزيا) ، عرف أنه أتى للحج وقضى سبعة أسابيع في جدة ثم سمحت له الحكومة بالحج بعد أن عرفت صحة إسلامه وحسن نواياه، فقد فرضت الحكومة على الأوروبيين الإقامة بجدة فترة قد تطول للتأكد من حسن إسلامهم، بعد أن كثر المتظاهرون بالإسلام الذين يقدمون للحج، ولا هم لهم إلا تشويه سمعة الحج والحجاج. أُعحب هيكل بحديث المسلم الأيرلندي الذي قال: إنما فُرض الحج ليُشهد المسلم الله على نفسه أمام ملأ من إخوانه المؤمنين جميعا أنه نبذ ما اختلط بحياته قبل الحج من ذنوب وأوزار، والله يغفر له ما صدق التوبة، ليولد ميلادا روحيا جديدا يكون بعده خيرا مما كان قبله علماً وبصيرةً. وقال: إن المسلمين لو فهموا الاسلام فهما عميقا لما خضعوا لحكم الغرب ولا ذلوا لسلطانه. تزاحم الناس في عرفات لم يدع لأحد فرصة للذهاب لسماع الخطيب، ويعلق هنا: إن مثل هذه الخطب قد صارت خطبا تقليدية كخُطب الجمعة في مساجد مصر، ألفت الآذان سماع ألفاظها ومعانيها التى لا تتفق مع روح العصر ولا مع طبيعة الإسلام الداعية إلى التجدد في حدود ما أمر الله به ونهى عنه. أتيح له أن يلتقى بالملك عبد العزيز ثلاث مرات، تحدث إليه الملك عن رغبته في تحسين العلاقات مع مصر، فقد كانت العلاقة آنذاك متوترة مع الملك فؤاد، كما نقل هيكل إلى الملك مقترحاته هو ومجموعة من المفكرين الذين التقى بهم في منى وعرفات ومنها أن تكون مكة مقرا لعصبة الأمم الإسلامية مثلما كانت جنيف مقرا لعصبة الأمم الأوروبية، تقبل الملك هذه المقترحات برحابة صدر، وتمنى عليه تشكيل لجنة منه وممن على شاكلته لاستمرار التواصل مع السعودية حول تطوير مواقع الحج، واقترح عليه أن تضم المجموعة بعضا من الرجال العمليين مثل طلعت حرب (أبو الاقتصاد المصري)، فهم هيكل أن الملك يتلقى مثل هذه المقترحات كل سنة ولكن أصحابها سرعان ما يعتقدون أنهم قد أبلغوا فلا يتابعون ما جرى لها وما نُفذ منها، لم يكن النفط قد اكتشف بعد، ولذا فإن كثيرا من الطموحات انتظرت لتتحقق بعد أن توفر التمويل . كما قابل ولى العهد الأمير سعود، ونائب الملك في الحجاز الأمير فيصل. وناقش مع مرافقيه الكثير من القضايا المتعلقة بالحج، وأولويات الحكومة السعودية فيها، تهيأ له أيضا في كل مكان زاره أن يقابل الأمير المسؤول عن المنطقة. في الكتاب تفاصيل مهمة كثيرة تستحق أكثر من مقال وأكثر من قراءة، أوصي به لكل حاج مثقف أراد لنفسه حجا ثريا بالإيمانيات والمعلومات.